الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - الجنّة بانتظار المقرّبين
أمّا من هم هؤلاء الولدان؟
قال البعض: إنّهم أبناء البشر من هذه الدنيا الذين توفّوا قبل البلوغ، و صحيفة أعمالهم بيضاء لم تدنّس بعد، فقد بلغوا هذه المرتبة بلطف اللّه سبحانه، و خدمتهم للمقرّبين تقترن بارتياح عظيم و رغبة عميقة و لذّة من أفضل اللذّات، لأنّهم في خدمة المقرّبين من الحضرة الإلهيّة.
و قد ورد في هذا المعنى حديث للإمام علي عليه السّلام.
إلّا أنّنا نقرأ في تفسير آخر أنّهم أطفال المشركين و لأنّهم لم يرتكبوا ذنبا فقد حصلوا على هذه المرتبة، و أطفال المؤمنين يلتحقون بآبائهم و امّهاتهم.
و نقرأ في تفسير ثالث أنّهم خدّام الجنّة، حيث إنّ اللّه سبحانه قد أعدّهم لهذه المهمّة بشكل خاصّ.
و يضيف القرآن أنّ هؤلاء الولدان يقدّمون لأصحاب الجنّة أقداح الخمر و كؤوس الشراب المأخوذ من أنهار الجنّة بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ [١] و شرابهم هذا ليس من النوع الذي يأخذ لباب العقل و الفكر، حيث يقول تعالى: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَ لا يُنْزِفُونَ [٢].
إنّ الحالة التي تنتابهم من النشوة الروحية حين تناولهم لهذا الشراب لا يمكن أن توصف، إذ تغمر كلّ وجودهم بلذّة ليس لها مثيل.
ثمّ يشير سبحانه إلى رابع و خامس قسم من النعم المادية التي وهبها اللّه
[١]- أكواب جمع كوب بمعنى القدح أو الإناء الذي لا عروة له، و أباريق جمع إبريق و هي في الأصل أخذت من الفارسية (آبريز) بمعنى الأواني ذات اليد من جهة، و من الاخرى ذات أنبوب لصبّ السائل، و كلمة كأس تقال للإناء المملوء بالسائل لدرجة يفيض من جوانبه، و معين من مادّة (معن) على وزن (صحن) بمعنى الجاري.
[٢]- (يصدّعون) من مادّة (صداع) على وزن (حباب)، بمعنى وجع الرأس، و هذا المصطلح في الأصل من (صدع) بمعنى (الانفلاق) لأنّ الإنسان عند ما يصاب بوجع رأس شديد فكأنّ رأسه يريد أن ينفلق من شدّة الألم، لذا فإنّ هذه الكلمة قد استعملت في هذا المعنى. (و ينزفون) من أصل (نزف) على وزن (حذف) بمعنى سحب جميع مياه البشر بصورة تدريجيّة، و تستعمل أيضا حول (السكر) و فقدان العقل.