الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٥ - بداية النعم الإلهية
و بالرغم من أنّ بداية الإنسان ليست أكثر من نطفة لا قيمة لها، بل الأصحّ أنّ بدايته عبارة عن موجود مجهري يسبح في نطفة لا وزن لها، إلّا أنّه في ظلّ الرعاية الإلهيّة يسير في مراحل التكامل بصورة يرتقي فيها إلى مقام أشرف موجود في عالم الخلق.
أنّ ذكر اسم «الإنسان» بعد «القرآن» هو الآخر يستوجب التأمّل، ذلك لأنّ القرآن الكريم يمثّل مجموعة أسرار الكون بصورة مدوّنة «الكتاب التدويني»، و الإنسان هو خلاصة هذه الأسرار بصورة تكوينية «الكتاب التكويني»، كما أنّ كلّ واحدة منها هو صورة من هذا العالم الكبير.
و تشير الآية اللاحقة إلى أهمّ النعم بعد نعمة خلق الإنسان حيث يقول البارئ عزّ و جلّ: عَلَّمَهُ الْبَيانَ.
كلمة (البيان) لها معنى لغوي واسع، حيث تقال لكلّ شيء يوضّح و يبيّن شيئا معيّنا، و بناء على هذا فإنّها لا تشمل النطق و الكلام فحسب، بل تجمع الكتابة و الخطّ و أنواع الاستدلالات العقليّة و المنطقية التي تبيّن المسائل المختلفة و المعقّدة أيضا رغم أنّ معالم هذه المجموعة هي التكلّم و النطق.
و نظرا لتعوّدنا ممارسة الكلام، فقد نتصوّر أنّه أمر بسيط و سهل، و الحقيقة أنّ التكلّم من أعقد و أظرف أعمال الإنسان، و يمكننا القول بعدم وجود عمل على شاكلته من ناحية التعقيد و الظرافة.
فمن جهة نجد أنّ الأجهزة المختّصة لإصدار الصوت تتساعد و تتعاون مع بعضها لإيجاد الأصوات المختلفة. فالرئة تجمع الهواء لتخرجه من الحنجرة تدريجيّا، و الأوتار الصوتية تهتزّ لتولّد أصواتا مختلفة تماما، بعضها تعبّر عن حالة الرضى، و الاخرى عن الغضب، و الثالثة تعبّر عن النجدة و الإستغاثة و طلب العون، و الرابعة عن المحبّة أو العداوة و هكذا. ثمّ إنّ هذه الأصوات- بمساعدة اللسان و الشفتين و الأسنان و الحلق- تصنع الحروف الأبجدية بسرعة و ظرافة خاصّة،