الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - ٢- التقدير الإلهي و إرادة الإنسان
المسؤوليات و التكاليف ستكون بلا معنى حيث أنّ فقدان الإرادة يجعلنا مجبورين في أعمالنا، و هذا خلاف التقدير الإلهي.
و نلاحظ في مقابل إفراط (الجبريين) تفريط جماعة (القدريين) أو المفوّضة الذين يذهبون صراحة إلى القول بأنّ اللّه لا يتدخّل في أعمالنا و ممارساتنا، حيث إنّهم يحدّون و يحجمون دائرة الهيمنة الإلهيّة على الإنسان و يعتقدون باستقلاليتهم تماما عن المشيئة الإلهيّة، و بذلك سلكوا طريق الشرك من هذه الجهة.
و الحقيقة أنّ الجمع بين أصلي (التوحيد و العدل) يحتاج إلى دقّة و ضبط، فلو فسّرنا التوحيد بأنّ اللّه خالق كلّ شيء حتّى أعمالنا بشكل لا نملك أي إختيار فيها فإنّنا نكون بذلك قد أنكرنا أصل العدل، لأنّ مقترفي الذنوب مجبرون على ارتكاب المعاصي ثمّ ينتظرهم الجزاء المتمثّل بالعقاب، و هذا خلاف العدالة.
و إذا فسّرنا «العدل» بأنّ اللّه تعالى ليس له أي لون من التدخّل في أعمالنا فإنّنا سنخرج الإرادة الإلهيّة من الهيمنة علينا، و عندئذ نقع في وادي الشرك.
و يمثّل مفهوم «الأمر بين الأمرين» الإيمان الخالص و الصراط المستقيم و خطّ الوسط بين (الجبريين و القدريين) و هو أن نعتقد بأنّنا مختارين، و اختيارنا هذا يكون ضمن الهيمنة الإلهية، حيث تستطيع الإرادة الإلهية في أي لحظة أن تسلب منّا هذا الإختيار، و هذا ما يذهب إليه أهل البيت عليهم السّلام.
و النقطة الجديرة بالذكر أنّه وردت في نهاية الآيات مورد البحث روايات عديدة في ذمّ هاتين الجماعتين في كتب تفسير أهل السنّة و الشيعة، و من جملتها نقرأ
في حديث النّبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث يقول: «صنفان من امّتي ليس لهم في الإسلام نصيب المرجئة و القدرية، أنزلت فيهم آية في كتاب اللّه: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ» [١].
[١]- تفسير روح المعاني نقل عن البخاري و الترمذي و ابن ماجة و ابن عدي و ابن مردويه و ابن عبّاس، ج ٢٧، ص ٨١، و ذكر القرطبي مثل هذا الحديث في تفسيره، ج ٩، ص ٦٣٨.