الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٢ - هل أنتم أفضل من الأقوام السابقة؟!
و يواجه القرآن الكريم هؤلاء السادرين في غيّهم بإخبار غيبي حاسم و قوي، حيث يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ [١].
و الظريف هنا أن سيهزم من مادّة (هزم) على وزن (جزم) و في الأصل بمعنى الضغط على الجسم اليابس لحدّ التلاشي. و لهذا السبب استعملت هذه الكلمة (هزم) في حالة تدمير الجيوش و انكسارها.
و ربّما أشار هذا التعبير إلى النقطة التالية و هي: رغم حالة الاتّحاد و الانسجام لهؤلاء القوم ظاهرا، إلّا أنّهم كالموجودات اليابسة و الفاقدة للروح، فبمجرّد تعرّضها إلى ضغط قوي تتهشّم، و نرى عكس ذلك في المؤمنين المتصّفين بالقوّة المقترنة بالمرونة، حيث أنّهم إذا ثقلت عليهم المحن و اشتدّت الأزمات و أحنتهم العاصفة فإنّهم سرعان ما يستعيدوا قواهم مرّة اخرى ليواجهوا مصاعب الحياة.
«دبر» بمعنى «خلف» في مقابل (القبل) بمعنى «أمام»، و سبب ذكر هذه الكلمة هنا لبيان حالة الفرار من ساحة المعركة بصورة كليّة.
لقد صدق هذا التنبّؤ في معركة بدر و سائر الحروب الاخرى حيث كانت هزيمة الكفّار ساحقة، فإنّه رغم قدرتهم و قوّتهم فقد تلاشى جمعهم.
و في آخر الآية مورد البحث يشير سبحانه إلى أنّ الهزيمة التي مني بها المشركون سوف لن تكون في الدنيا فقط، و إنّما هي في الآخرة أشدّ و أدهى، حيث يقول البارئ عزّ و جلّ: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَ السَّاعَةُ أَدْهى وَ أَمَرُّ.
و على هذا التصوّر، فما عليهم إلّا أن ينتظروا هزيمة ما حقة في الدنيا، و مصيرا سيّئا و اندحارا أمرّ و أكثر بؤسا في الآخرة.
«أدهى» من مادّة (دهو) و (دهاء) بمعنى المصيبة و الكارثة العظيمة و التي لا مخرج منها و لا نجاة، و لا علاج لها، و تأتي أيضا بمعنى الذكاء الشديد، إلّا أنّ
[١]- مع العلم أنّ من المناسب أن يقال (يولّون الأدبار) إلّا أنّه قيل هنا: (يولّون الدبر)، لأنّ لهذه المعنى (جنس) حيث تكون في حكم الجمع.