الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٠ - قصّة قوم نوح عبرة و عظة
كان من تفجير العيون في الأرض حيث يقول تعالى: وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [١] و هكذا اختلط ماء السماء بماء الأرض بمقدار مقدّر و ملأ البسيطة: فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ.
إنّ هذا التعبير يجسّد حالة الطوفان الذي غمر الأرض، إلّا أنّ بعض المفسّرين فسّروا عبارة (قد قدر) بقولهم: إنّ كميّتي المياه المتدفّقة من الجانبين المتقابلين كانتا متساويتين في مقاديرهما بصورة دقيقة، إلّا أنّ الرأي الأوّل هو الأرجح.
و خلاصة الأمر: إنّ الماء قد فار من جميع جهات الأرض و فجّرت العيون و هطلت الأمطار من السماء، و اتّصل الماء بعضه ببعض و شكّل بحرا عظيما و طوفانا شديدا.
و تترك الآيات الكريمة مسألة الطوفان، لأنّ ما قيل فيها من الآيات السابقة يعتبر كافيا فتنتقل إلى سفينة نجاة نوح عليه السّلام حيث يقول تعالى: وَ حَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَ دُسُرٍ.
(دسر) جمع (دسار) على وزن (كتاب)، كما يقول الراغب في المفردات، أنّها في الأصل بمعنى الإبعاد أو النهر بشدّة مقترنا مع حالة عدم الرضا، و لكون المسمار عند ما يتعرّض للطرق الشديد يدخل في الخشب و ما شاكل فيقال له (دسار).
و ذكر قسم من المفسّرين أنّ معنى هذه الكلمة هو (الحبل) مشيرين بذلك إلى حبال أشرعة السفينة و ما إلى ذلك، و التّفسير الأوّل هو الأرجح نظرا لذكر كلمة (ألواح).
على كلّ حال، فإنّ التعبير القرآني هنا ظريف، لأنّه كما يقول البارئ عزّ و جلّ بأنّنا و في وسط ذلك الطوفان العظيم، الذي غمر كلّ شيء أودعنا أمر نجاة
[١]- «عيونا»: يمكن أن تكون تميّزا للأرض و التقدير فجرنا عيون الأرض، ثمّ إنّ العيون مفعول به منفصل و قد جاءت بصورة تمييز كي تعبّر عن المبالغة و الأهميّة و كأنّ الأرض جميعا تحوّلت إلى عيون.