الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - ٤- اسطورة الغرانيق مرّة اخرى
الطيور الرمادية أو السوداء، و لذلك كان العرب أحيانا إذا ذكروا الأصنام قالوا بعد ذكرها: تلك الغرانيق العلى و انّ شفاعتهنّ لترتجى.
و قد وردت هنا قصّة خرافية نقلتها بعض الكتب، و هي أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين قرأ الآية: أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَ الْعُزَّى أضاف عليها من عنده الجملتين هاتين: تلك الغرانيق العلى و انّ شفاعتهنّ لترتجى .. فكان سببا لارتياح المشركين و عدوّه انعطافا من قبل النّبي إلى عبادة الأصنام، و حيث أنّ ختام السورة يدعو الناس للسجود .. فإنّ المسلمين سجدوا و سجد المشركون أيضا، فكان هذا الخبر مدعاة لإشاعة إسلام المشركين في كلّ مكان! حتّى بلغ ذلك أسماع المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين و سرّ جماعة منهم إلى درجة أنّهم أحسّوا بالأمان فعادوا من مهجرهم إلى مكّة [١].
و لكن كما فصّلنا ذلك في تفسير الآية ٥٢ من سورة الحجّ فإنّ هذا الادّعاء كذب مفضوح، و تبطله الدلائل و القرائن الكثيرة بجلاء.
فأولئك المفتعلون لهذه الكذبة لم يفكّروا أنّ القرآن في ذيل هذه الآيات محلّ البحث ينقض عبادة الأصنام بصراحة، و يعدّها اتّباعا لما تهوى النفس و ظنونها، كما أنّه في الآيات التي تلي هذه الآيات يعنّف عبادة الأصنام بصراحة و بشدّة، و يعدّها دليلا على عدم الإيمان و المعرفة، و يأمر النّبي بصراحة أن يقطع علاقته بهم و يعرض عنهم.
فمع هذه الحال كيف يمكن أن يتلفّظ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهاتين الجملتين، أو أن يكون المشركون حمقى إلى درجة بحيث يصغون إلى هذه العبارة و لا يلتفتوا إلى الآيات بعدها التي تعنّف المشركين على عبادة الأصنام .. و يفرحوا و يسجدوا في آخر ما يتلى من هذه السورة مع الساجدين.
[١]- نقل الطبري هذه القصّة الخرافية في تاريخه، ج ٢، ص ٧٥ فما بعد.