الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - إنّك بأعيننا!
هؤلاء المشركين معاندون إلى درجة إنكارهم الحقائق الحسيّة و تفسيرهم الحجارة الساقطة من السماء بالسحاب، مع أنّ كلّ من رأى السحاب حين ينزل و يقترب من الأرض لم يجده سوى بخار لطيف، فكيف يتراكم هذا البخار اللطيف و يتبدّل حجرا!؟
و هكذا يتّضح حال هؤلاء الأشخاص إزاء الحقائق المعنوية! أجل انّ ظلمة الإثم و عبادة الهوى و العناد كلّ ذلك يحجب أفق الفكر السليم فيجعله متجهّما حتّى تنجرّ عاقبة أمره إلى إنكار المحسوسات و بذلك ينعدم الأمل في هدايته.
و «المركوم» معناه المتراكم، أي ما يكون بعضه فوق بعض! لذلك فإنّ الآية التالية تضيف بالقول: فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ.
و كلمة «يصعقون» مأخوذة من صعق، و الإصعاق هو الإهلال، و أصله مشتقّ من الصاعقة، و حين أنّ الصاعقة تهلك من تقع عليه فإنّ هذه الكلمة استعملت بمعنى الإهلاك أيضا.
و قال بعض المفسّرين أنّ هذه الجملة تعني الموت العامّ و الشامل الذي يقع آخر هذه الدنيا مقدّمة للقيامة.
إلّا أنّ هذا التّفسير يبدو بعيدا، لأنّهم لا يبقون إلى ذلك الزمان بل الظاهر هو المعنى الأوّل، أي دعهم إلى يوم موتهم الذي يكون بداية لمجازاتهم و العقاب الاخروي! و يتبيّن ممّا قلنا أنّ جملة «ذرهم» أمر يفيد التهديد، و المراد منه أنّ الإصرار على تبليغ مثل هؤلاء الأفراد لا يجدي نفعا إذ لا يهتدون.
فبناء على ذلك لا ينافي هذا الحكم إدامة التبليغ على المستوى العامّ من قبل
القطعة من حجر السماء، و قد دلّت عليه بعض كتب اللغة و هذه الكلمة تجمع على كسف على وزن عنب، إلّا أنّ أغلب المفسّرين يرون بأنّ الكلمة هنا مفردة و ظاهر الآية أنّها مفردة أيضا، لأنّها و صفتها بالمفرد ساقطا ..