الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩١ - ما هو كلامكم الحقّ؟
ثمّ يتنازل القرآن إلى مرحلة اخرى، فيذكر واحدا من الأمور التي يمكن أن تكون ذريعة لرفضهم فيقول: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ.
«المغرم»- على وزن مغنم و هو ضدّ معناه- أي ما يصيب الإنسان من خسارة أو ضرر دون جهة، أمّا الغريم فيطلق على الدائن و المدين أيضا.
و «المثّقل» مشتقّ من الأثقال، و معناه تحميل العبء و المشقّة، فبناء على هذا المعنى يكون المراد من الآية: ترى هل تطلب منهم غرامة لتبليغ الرسالة فهم لا يقدرون على أدائها و لذلك يرفضون الإيمان؟! و قد تكرّرت الإشارة في عدد من الآيات القرآنية لا في النّبي فحسب، بل في شأن كثير من الأنبياء، إذ كان من أوائل كلمات النبيين قولهم لأممهم: لا نريد على إبلاغنا الرسالة إليكم أجرا .. ليثبت عدم قصدهم شيئا من وراء دعوتهم و لئلّا تبقى ذريعة للمتذرّعين أيضا.
و مرّة اخرى يخاطبهم القرآن متسائلا أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ فهؤلاء يدّعون أنّ النّبي شاعر و ينتظرون موته لينطوي بساطه و ينتهي كلّ شيء بموته و تلقى دعوته في سلّة الإهمال، كما تقدّم في الآية السابقة ذلك على لسان المشركين إذ كانوا يقولون .. نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ.
فمن أين لهم أنّهم سيبقون أحياء بعد وفاة النبي؟! و من أخبرهم بالغيب؟! و يحتمل أيضا أنّ القرآن يقول إذا كنتم تدّعون معرفة الأسرار الغيبية و أحكام اللّه و لستم بحاجة إلى القرآن و دين محمّد فهذا كذب عظيم [١].
ثمّ يتناول القرآن احتمالا آخر فيقول: لو لم يكن كلّ هذه الأمور المتقدّمة، فلا بدّ أنّهم يتآمرون لقتل النّبي و إجهاض دعوته و لكن ليعلموا أنّ كيد اللّه أعلى
الدلائل الحيّة التي أقامها القرآن ضدّهم فليراجع ذيل الآية (٥٧) سورة النحل و ذيل الآية (١٤٩) من سورة الصافات ..
[١]- قال بعض المفسرين أنّ المراد بالغيب هو اللوح المحفوظ، و قال بعضهم: بل هو إشارة إلى ادّعاءات المشركين و قولهم إذ كانت القيامة فسيكون لنا عند اللّه مقام كريم. إلّا أنّ هذه التفاسير لا تتناسب و الآية محلّ البحث و لا يرتبط بعضها ببعض.