الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - ما هو كلامكم الحقّ؟
الاستدلال في أحد عشر سؤالا متتابعا (بصورة الاستفهام الإنكاري)، و بتعبير أجلى: إنّ هذه الآيات تسدّ جميع الطرق بوجه المخالفين فلا تدع لهم مهربا في عبارات موجزة و مؤثّرة جدّا بحيث ينحني الإنسان لها من دون إختياره إعظاما و يعترف و يقرّ بانسجامها و عظمتها. فأوّل ما تبدأ به هو موضوع الخلق فتقول: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [١].
و هذه العبارة الموجزة و المقتضبة في الحقيقة هي إشارة إلى «برهان العليّة» المعروف الوارد في الفلسفة و علم الكلام لإثبات وجود اللّه، و هو أنّ العالم الذي نعيش فيه ممّا لا شكّ- فيه- حادث (لأنّه في تغيير دائم، و كلّ ما هو متغيّر فهو في معرض الحوادث، و كلّ ما هو في معرض الحوادث محال أن يكون قديما و أزليّا).
و الآن ينقدح هذا السؤال، و هو إذا كان العالم حادثا فلا يخرج عن الحالات الخمس التالية:
١- وجد من دون علّة! ٢- هو نفسه علّة لنفسه.
٣- معلولات العالم علّة لوجوده.
٤- إنّ هذا العالم معلول لعلّة اخرى و هي معلولة لعلّة اخرى إلى ما لا نهاية.
٥- إنّ هذا العالم مخلوق لواجب الوجود الذي يكون وجوده ذاتيا له.
و بطلان الاحتمالات الأربع المتقدّمة واضح، لأنّ وجود المعلول من دون علّة محال، و إلّا فينبغي أن يكون كلّ شيء موجودا في أي ظرف كان، و الأمر ليس كذلك! و الاحتمال الثاني و هو أن يوجد الشيء من نفسه محال أيضا، لأنّ مفهومه أن
[١]- هناك تفسيرات أخر و احتمالات متعدّدة في وجوه هذه الآية، منها أنّ مفادها: هل خلقوا بلا هدف و لم يك عليهم أيّة مسئولية؟! .. و بالرغم أنّ جماعة من المفسّرين اختاروا هذا الوجه إلّا أنّه مع الالتفات لبقيّة الآية: أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ يتّضح أنّ المراد هو ما ذكر في المتن، أي خلقوا من دون علّة. أم هم علّة أنفسهم؟!.