تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٣٤٩ - الخطبة
و لمّا شاهد صلوات اللّه عليه شهداءه قد سبقوا، و بفناء الجنّة أحدقوا، قد حمدوا مشاربهم، و بلغوا مناهم، و شكروا مسعاهم، قد أزلفهم مولاهم، و أتحفهم و حيّاهم، و قرّبهم و أدناهم، و اطمأنّت بهم الدار، و طاب لهم القرار، و زالت المتاعب، و أمنت المصائب، و جمع شملهم بحبيب قلوبهم، و انيلوا من النعيم المقيم زيادة على مطلوبهم، و فتحت لهم أبواب الجنّة بأمر ربّ العالمين، و قيل لهم: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ[١]. فاستوطنوا من غرفها أعلاها، و استشعروا من حللها أضفاها، و سقوا من كئوسها أصفاها، و عانقوا من حورها أسناها، تجري من تحت أبنيتهم الأنهار، و الملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ[٢].
و لمّا أحلّهم سبحانه دار المقامة، و أنزلهم منازل الكرامة، و أزارهم ملائكته المقرّبين، و رافق بهم أنبياءه المرسلين وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ[٣] فأقاموا في نعمة لا حصر لعدّها، و داموا في سعادة لا انتهاء لحدّها، يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَ لا يُنْزِفُونَ وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ وَ حُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ[٤].
فيا حسرتي إذ لم أكن من السابقين في حلبتهم، أو المصلّين في سبقتهم، المحسوبين في زمرتهم، المعدودين من جملتهم، أتمتّع برؤية أوليائي كما
[١] سورة الحجر: ٤٦.