تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٣٥١ - المناجاة
غيرهم، و حثّوا الركاب فنالوا المنى بسيرهم.
و لمّا علموا أنّهم لا يمنعهم من حصول المطلوب بوصال المحبوب، و لا يحجبهم عن السرّ المحجوب في سترات الغيوب، إلّا خلع ملابس الحياة الفانية، و التجرّد عن خيالات النفس الواهية، و الاتّصال بالمبدع الأكمل، و الترقّي إلى المقام الأفضل.
بذلوا الأجساد و الأموال لتخليص أنفسهم من كدورات ظلمات أبدانها، و بالغوا في إخراجها عن محلّ متاعها و حوادث أزمانها، و باعوها من ربّها بالثمن الأوفى، و بذلوها لمالكها بالعوض الأعلى، و جاهدوا أعداءه إعلاء لكلمته، و نصروا أولياءه إخلاصا بطاعته حتّى خلصت أنفسهم من سجون أحسادها، و بلغت أرواحهم من السعادة الأبديّة أقصى مرادها، فأصبحوا في عرصة كربلاء بين مخذول قد فقدت منه الأنصار، و مقتول تسفي عليه عواصف الأعصار، و ظمآن سقى نهلته بكؤوس الحتوف، و لهفان لم تنقع غلّته إلّا غروب السيوف.
أسألك بحقّ تلك الأرواح المبذولة في محبّتك، و الأشباح المنبوذة في نصرتك، و الأوداج المقطّعة في إعلاء كلمتك، و الأشباح المبضّعة لتأييد حجّتك، و بحقّ تلك النفوس الّتي قواعد إيمانها على التقوى مؤسّسة، و بحقّ تلك الأبدان الّتي اصول مجاريها بطهور العصمة مقدّسة، و بحقّ تلك الضرائح الّتي هي مهابط متقرّبي ملائكتك، و بحقّ تلك المشاهد التي شرفت ثراها بأجساد أوليائك و خاصّتك أن تصلّي على محمد و آل محمد، و أن تجعلنا ممّن جلّ مصابه لمصيبتهم، و عظم بلاؤه لبليّتهم، و أضرمت نيران الأحزان شواظها في فؤاده، و أوردته موارد الأشجان في إصداره و إيراده، و أغرقت في لجّة العبرات إنسان