تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٥٩ - ١٢٥٨ ـ حزام بن هشام بن حبيش بن خالد بن الأشعر الخزاعي القديدي
أصحابه حتى رووا ثم شرب آخرهم ، ثم أراضوا ، ثم حلب فيه ثانيا بعد بدء ، حتى ملأ الإناء ، ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا عنها.
فقلّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن [١] هزلا ، فلما أن رأى عند أم معبد اللبن عجب وقال : من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاء عازب ولا خلوف في البيت؟ قالت : لا والله إلّا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا ، فقال : صفيه لي يا أم معبد ، قالت : رأيت رجلا طاهر الوضاءة ، أبلج الوجه ، حسن الخلق ، لم تعبه تجلة [٢] ، ولم تزر به سقلة [٣] ، وسيم قسيم في عينيه دعج ، وفي أشفاره غطف [٤] ، وفي صوته صحل ، وفي عنقه سطع [٥] ، وفي لحيته كثاثة ، أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ، حلو المنطق فصل ، لا نزر ولا هذر ، كأنما منطقه خرزات نظم يتحدّرن ، لا تشنؤه عين من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إن قال أنصتوا له ، وإن أمر بادروا إلى أمره ، محفود محشود.
قال أبو معبد : هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكة ، ولقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا ، فأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصّوت ولا يدرون من صاحبه يقول [٦] :
| جزى الله ربّ الناس خير جزائه | رفيقين قالا خيمتي أمّ معبد | |
| هما نزلاها بالهدى واهتدت به | فقد فاز من أمسى رفيق محمّد | |
| فيا آل قصيّ ما زوى الله عنكم | به من فصال لا يجارى وسؤدد | |
| ليهن بني كعب مقام فتاتهم | ومقعدها للمؤمنين بمرصد |
[١] يتساوكن هزلا : يمشين مشيا بطيئا من الهزال.
[٢] أي عظم البطن واسترخاؤه.
[٣] في مختصر ابن منظور : سفلة.
[٤] طول شعر أشفار العين.
[٥] أي إشراف وطول.
[٦] الأبيات في ديوان حسان بن ثابت ط بيروت ص ٥٢ والأول والثاني والرابع في سيرة ابن هشام ٢ / ١٣٢ والطبري ٢ / ٣٨٠ باختلاف بعض الألفاظ.