تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٧٦ - ١٢١٧ ـ الحجّاج بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل بن مسعود بن جابر بن معتّب ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف ، واسمه قسيّ بن منبه بن بكر بن هوازن أبو محمّد الثقفي
يرسل إليه فيها ، دخل عليه ستة من الحرس فأخذوه وأتعبوه إتعابا شديدا. قال أيّوب : وبلغنا ذلك فسعيت أنا وثابت البناني وزياد النميري وسويد بن حجير الباهلي نحو القصر معنا الكفن والحنوط لا نشك في قتله فجلسنا بالباب ، فخرج علينا وهو يكشر متبسما ، فلمّا لحظناه حمدنا الله تعالى على سلامته. قال الحسن : العجب والله لهذا العبد ، دخلت عليه وهو في مثنية رقيقة متوشح بها ذات علم ، في جنبذة [١] من خلاف سقفها الثلج ، فهو يقطر عليه ، فوجدت القرّ وسلمت عليه وفي يده القضيب ، فقال : أنت القائل يا حسن ما بلغني عنك؟ قلت : وما الذي بلغك عني ، [قال :] أنت القائل : اتّخذوا عباد الله خولا ، وكتاب الله دغلا ، ومال الله دولا ، يأخذون من غضب الله ، وينفقون في سخط الله ، والحساب عند البيدر؟ والله تعالى يقول : (وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ)[٢] فيكفي بها إحصاء. قال : نعم ، أنا القائل ذلك ، قال : ولم؟ قال : لما أخذ الله ميثاق الفقهاء في الأزمنة كلها (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ)[٣] الآية. قال : فنكت بالقضيب ساعة وفكر ، ثم قال : يا جارية ، الغالية.
قال : فخرجت الجارية ذات قصاص [٤] معها مدهن من فضة. فقال : أوسعي رأس الشيخ ولحيته ففعلت ، ثم قال : يا حسن ، إيّاك والسّلطان أنّ تذكرهم إلّا بخير ، فإنهم ظل الله في الأرض ، من نصحهم اهتدى [٥] ، ومن [٦] غشّهم غوى ، فقلت : أصلحك الله ، هكذا بلغني عن رسول الله ٦ قال : «وقّروا السلطان وأجلّوهم ، فإنهم عزّ الله في الأرض وظله ، من نصحهم اهتدى ، ومن غشّهم غوى إذا كانوا عدولا» قال الحجّاج : لا والله ما فيه إذا كانوا عدولا ، ولكنك زدت يا حسن انصرف إلى أصحابك فنعم المؤدب أنت ، انتهى [٢٩٢٤].
أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن الفضل الفقيه ، أنبأنا أبو الحسين الفارسي ، أنبأنا أبو سليمان بن أحمد بن محمّد الخطابي ، قال في حديث الحسن أن الحجّاج أرسل إليه فأدخل عليه فلما خرج من عنده قال : دخلت على أحيول يطرطب شعيرات ، فأخرج
[١] الجنبذة : القبة (اللسان).
[٢] سورة الأنبياء ، الآية : ٤٧.
[٣] سورة آل عمران ، الآية ١٨٧.
[٤] القصاص بالكسر جمع القصّة ، وتجمع أيضا على القصص ، وهي الخصلة من الشعر (اللسان : قص).
[٥] بالأصل «اهتداه».
[٦] بالأصل «من» بدون الواو.