موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٨
أيُّهَا النّاسُ! ما أنَا بِالراغِبِ فِي التَّأَمُّرِ عَلَيكُم، ولا بِالآمِنِ لِكَراهَتِكُم، بَل بُلينا بِكُم، وبُليتُم بِنا، ألا إنَّ جَدّي مُعاوِيَةَ نازَعَ الأَمَر مَن كانَ أولى بِالأَمرِ مِنهُ في قَديمِهِ[١] وسابِقَتِهِ، عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ عَلَيهِ السَّلامُ وَالتَّحِيَّةُ وَالإِكرامُ، فَرَكِبَ جَدّي مِنهُ ما تَعلَمونَ، ورَكِبتُم مَعَهُ ما لا تَجهَلونَ، حَتّى صارَ رَهينَ عَمَلِهِ، وضَجيعَ حُفرَتِهِ، تَجاوَزَ اللَّهُ عَنهُ.
ثُمَّ صارَ الأَمرُ إلى أبي، ولَقَد كانَ خَليقاً أن لا يَركَبَ سَيِّئَةً، إذ كانَ غَيرَ خَليقٍ بِالخِلافَةِ، فَرَكِبَ رَدعَهُ[٢]، وَاستَحسَنَ خَطَأَهُ، فَقَلَّت مُدَّتُهُ، وَانقَطَعَت آثارُهُ، وخَمَدَت نارُهُ، ولَقَد أنسانَا الحُزنُ بِهِ الحُزنَ عَلَيهِ، فَإِنّا للَّهوإنّا إلَيهِ راجِعونَ، ثُمَّ أخفَتَ يَتَرَحَّمُ عَلى أبيهِ.
ثُمَّ قالَ: وصِرتُ أنَا الثّالِثَ مِنَ القَومِ، الزّاهِدُ فيما لَدَيَّ أكثَرُ مِنَ الرّاغِبِ، وما كُنتُ لِأَتَحَمَّلَ آثامَكُم، شَأنَكُم وأمرَكُم خُذوهُ، ومَن شِئتُم وِلايَتَهُ فَوَلّوهُ.
قالَ: فَقامَ إلَيهِ مَروانُ بنُ الحَكَمِ، فَقالَ: يا أبا لَيلى، سُنَّةُ عُمَرَ سَيِّئَةٌ؟ فَقالَ لَهُ:
يا مَروانُ، أتَخدَعُني عَن دينِي، ائتِني بِرِجالٍ كَرِجالِ عُمَرَ أجعَلها بَينَهُم شورى.
ثُمَّ قالَ: وَاللَّهِ، إن كانَتِ الخِلافَةُ مَغنَماً لَقَد أصَبنا مِنها حَظَّاً، ولَئِن كانَت شَرّاً فَحَسبُ آلِ أبي سُفيانَ ما أصابوا مِنها، ثُمَّ نَزَلَ.
فَقالَت لَهُ امُّهُ: لَيتَكَ كُنتَ حَيضَةً، فَقالَ: وأنَا وَدِدتُ ذلِكَ ولَم أعلَم أنَّ للَّهِ ناراً يُعَذِّبُ بِها مَن عَصاهُ، وأخَذَ غَيرَ حَقِّهِ.[٣]
[١]. هكذا في المصدر، وفي بحار الأنوار:« في قِدَمِه».
[٢]. رَكِبَ رَدْعَهُ: أي لم يَرْدَعْهُ شيء فيمنعه عن وجهه( لسان العرب: ج ٨ ص ١٢٢« ردع»).
[٣]. تنبيه الخواطر: ج ٢ ص ٢٩٩، بحار الأنوار: ج ٤٦ ص ١١٨؛ جواهر المطالب: ج ٢ ص ٢٦١ نحوه.