موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٠
ثُمَّ أتَتهُما بِطَعامٍ فَأَكَلا وشَرِبا. فَلَمّا وَلَجَا الفِراشَ قالَ الصَّغيرُ لِلكَبيرِ: يا أخي، إنّا نَرجو أن نَكونَ قَد أمِنّا لَيلَتَنا هذِهِ، فَتَعالَ حَتّى اعانِقَكَ وتُعانِقَني وأشُمَّ رائِحَتَكَ وتَشُمَّ رائِحَتي قَبلَ أن يُفَرِّقَ المَوتُ بَينَنا. فَفَعَلَ الغُلامانِ ذلِكَ، وَاعتَنَقا وناما.
فَلَمّا كانَ في بَعضِ اللَّيلِ أقبَلَ خَتَنُ العَجوزِ الفاسِقُ حَتّى قَرَعَ البابَ قَرعاً خَفيفاً، فَقالَتِ العَجوزُ: مَن هذا؟ قالَ: أنَا فُلانٌ. قالَت: مَا الَّذي أطرَقَكَ هذِهِ السّاعَةَ، ولَيسَ هذا لَكَ بِوَقتٍ؟ قالَ: وَيحَكِ افتَحِي البابَ قَبلَ أن يَطيرَ عَقلي وتَنشَقَّ مَرارَتي في جَوفي، جَهدُ البَلاءِ قَد نَزَلَ بي. قالَت: وَيحَكَ مَا الَّذي نَزَلَ بِكَ؟ قالَ: هَرَبَ غُلامانِ صَغيرانِ مِن عَسكَرِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، فَنادَى الأَميرُ في مُعَسكَرِهِ: مَن جاءَ بِرَأسٍ واحِدٍ مِنهُما فَلَهُ ألفُ دِرهَمٍ، ومَن جاءَ بِرَأسَيهِما فَلَهُ ألفا دِرهَمٍ، فَقَد اتعِبتُ وتَعِبتُ ولَم يَصِل في يَدي شَىءٌ.
فَقالَتِ العَجوزُ: يا خَتَني! احذَر أن يَكونَ مُحَمَّدٌ خَصمَكَ في يَومِ القِيامَةِ. قالَ لَها:
وَيحَكِ إنَّ الدُّنيا مُحَرَّصٌ عَلَيها. فَقالَت: وما تَصنَعُ بِالدُّنيا ولَيسَ مَعَها آخِرةٌ؟ قالَ: إنّي لَأَراكِ تُحامينَ عَنهُما، كَأَنَّ عِندَكِ مِن طَلَبِ الأَميرِ شَيئاً، فَقومي فَإِنَّ الأَميرَ يَدعوكِ.
قالَت: وما يَصنَعُ الأَميرُ بي، وإنَّما أنَا عَجوزٌ في هذِهِ البَرِّيَّةِ؟ قالَ: إنَّما لِيَ الطَّلَبُ، افتَحي لِيَ البابَ حَتّى أريحَ وأستَريحَ، فَإِذا أصبَحتُ بَكَّرتُ في أيِّ الطَّريقِ آخُذُ في طَلَبِهِما. فَفَتَحَت لَهُ البابَ، وأتَتهُ بِطَعامٍ وشَرابٍ فَأَكَلَ وشَرِبَ.
فَلَمّا كانَ في بَعضِ اللَّيلِ سَمِعَ غَطيطَ الغُلامَينِ في جَوفِ البَيتِ، فَأَقبَلَ يَهيجُ كَما يَهيجُ البَعيرُ الهائِجُ، ويَخورُ كَما يَخورُ الثَّورُ، ويَلمِسُ بِكَفِّهِ جِدارَ البَيتِ حَتّى وَقَعَت يَدُهُ عَلى جَنبِ الغُلامِ الصَّغيرِ، فَقالَ لَهُ: مَن هذا؟ قالَ: أمّا أنَا فَصاحِبُ المَنزِلِ، فَمَن أنتُما. فَأَقبَلَ الصَّغيرُ يُحَرِّكُ الكَبيرَ ويَقولُ: قُم يا حَبيبي، فَقَد وَاللَّهِ وَقَعنا فيما كُنّا نُحاذِرُهُ.