موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٣
الرواية إلى سكينة ٨:
كنت جالسة في ليلة مقمرة وسط الخيمة وإذا أنا أسمع من خلفها بكاءً وعويلًا، فخشيت أن يفقه بي النساء، فخرجت أعثر بأذيالي، وإذا بأبي ٧ جالس وحوله أصحابه وهو يبكي، وسمعته يقول لهم: اعلموا أنّكم خرجتم معي لعلمكم أنّي أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم، وقد انعكس الأمر؛ لأنّهم استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر اللَّه، والآن ليس لهم مقصد إلّاقتلي وقتل من يجاهد بين يدي، وسبي حرمي بعد سلبهم، وأخشى أن تكون ما تعلمون وتستحون، والخدع عندنا أهل البيت محرّم، فمن كره منكم ذلك فلينصرف، فإنّ الليل ستير والسبيل غير خطير والوقت ليس بهجير، ومن واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان نجيّاً من غضب الرحمان، وقد قال جدّي محمّد رسول اللَّه ٦: ولدي حسين يُقتل بأرض كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً فريداً، فمن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم عجّل اللَّه فرجه، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة. قالت سكينة:
فو اللَّه ما أتمّ كلامه إلّاوتفرّق القوم من عشرة وعشرين، فلم يبق معه إلّاواحد وسبعون رجلًا، فنظرت إلى أبي منكساً رأسه، فخنقتني العبرة ....[١]
الجدير بالذكر هو أنّنا لا نجدُ أمرَ الإمام بإطفاء المصابيح حتّى في المقاتل الضعيفة، ولم يروِ أيّمصدرٍ معتبرٍ أنّ أحداً من أصحاب الحسين ٧ ترك الإمام في ليلة عاشوراء، بل إنّ الأمر على العكس من ذلك، فقد أبدى الجميع المقاومة والصمود في مقابل اقتراح الإمام ٧ بمغادرة كربلاء، مستهينين بالموت، وخلقوا ملحمة خالدة بأقوال حماسيّة، معبّرين عن استعدادهم للتضحية في سبيل اللَّه.[٢]
[١]. الدمعة الساكبة: ج ٤ ص ٢٧١.
[٢]. راجع: ج ٤ ص ٦٣( القسم الثامن/ الفصل الأوّل/ جواب أهل بيته وأصحابه).