موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٦
سَيِّدَي شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ، وأفضَلِ هذِهِ الامَّةِ، تَربِيَةِ الرَّسولِ، وَابنَي فاطِمَةَ البَتولِ، مِنَ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الطّاهِرَةِ الزَّكِيَّةِ، فَرَكِبَ جَدّي مَعَهُ ما تَعلَمونَ، ورَكِبتُم مَعَهُ ما لا تَجهَلونَ، حَتّى انتَظَمَت لِجَدِّي الامورُ، فَلَمّا جاءَهُ القَدَرُ المَحتومُ وَاختَرَمَتهُ[١] أيدِي المَنونِ، بَقِيَ مُرتَهَناً بِعَمَلِهِ، فَريداً في قَبرِهِ، ووَجَدَ ما قَدَّمَت يَداهُ، ورَأى ما ارتَكَبَهُ وَاعتَداهُ.
ثُمَّ انتَقَلَتِ الخِلافَةُ إلى يَزيدَ أبي، فَتَقَلَّدَ أمرَكُم لِهَوىً كانَ أبوهُ فيهِ، ولَقَد كانَ أبي يَزيدُ- بِسوءِ فِعلِهِ وإسرافِهِ عَلى نَفسِهِ- غَيرَ خَليقٍ بِالخِلافَةِ عَلى امَّةِ مُحَمَّدٍ ٦، فَرَكِبَ هَواهُ، وَاستَحسَنَ خَطَأَهُ، وأقدَمَ عَلى ما أقدَمَ مِن جُرأَتِهِ عَلَى اللَّهِ، وبَغيِهِ عَلى مَنِ استَحَلَّ حُرمَتَهُ مِن أولادِ رَسولِ اللَّهِ ٦، فَقَلَّت مُدَّتُهُ، وَانقَطَعَ أثَرُهُ، وضاجَعَ عَمَلَهُ، وصارَ حَليفَ حُفرَتِهِ، رَهينَ خَطيئَتِهِ، وبَقِيَت أوزارُهُ وتَبِعاتُهُ، وحَصَلَ عَلى ما قَدَّمَ، ونَدِمَ حَيثُ لا يَنفَعُهُ النَّدَمُ، وشَغَلَنَا الحُزنُ لَهُ عَنِ الحُزنِ عَلَيهِ، فَلَيتَ شِعري ماذا قالَ، وماذا قيلَ لَهُ؟ هَل عوقِبَ بِإِساءَتِهِ وجوزِيَ بِعَمِلِهِ؟ وذلِكَ ظَنّي، ثُمَّ اختَنَقَتهُ العِبرَةُ، فَبَكى طَويلًا وعَلا نَحيبُهُ.
ثُمَّ قالَ: وصِرتُ أنَا ثالِثَ القَومِ، وَالسّاخِطُ عَلَيَّ أكثَرُ مِنَ الرّاضي، وما كُنتُ لِأَتَحَمَّلَ آثامَكُم، ولا يَرانِي اللَّهُ جَلَّت قُدرَتُهُ مُتَقَلِّداً أوزارَكُم، وألقاهُ بِتَبِعاتِكُم، فَشَأنُكُم أمرُكُم فَخُذوهُ، ومَن رَضيتُم بِهِ عَلَيكُم فَوَلّوهُ، فَلَقَد خَلَعتُ بَيعَتي مِن أعناقِكُم ....
وَاللَّهِ، لَئِن كانَتِ الخِلافَةُ مَغنَماً لَقَد نالَ أبي مِنها مَغرَماً ومَأثَماً، ولَئِن كانَت سوءاً فَحَسبُهُ مِنها ما أصابَهُ.
ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَيهِ أقارِبُهُ وامُّهُ، فَوَجَدوهُ يَبكي، فَقالَت لَهُ امُّهُ: لَيتَكَ كُنتَ
[١]. اخترمهم الدهر: أي اقتطعهم واستأصلهم( النهاية: ج ٢ ص ٢٧« خرم»).