موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨١
قالَ لَهُما: مَن أنتُما؟ قالا لَهُ: يا شَيخُ! إن نَحنُ صَدَقناكَ فَلَنَا الأَمانُ؟ قالَ: نَعَم.
قالا: أمانُ اللَّهِ وأمانُ رَسولِهِ، وذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسولِهِ؟ قالَ: نَعَم.
قالا: ومُحَمَّدُ بنُ عَبدِ اللَّهِ عَلى ذلِكَ مِنَ الشّاهِدينَ؟ قالَ: نَعَم. قالا: وَاللَّهُ عَلى ما نَقولُ وَكيلٌ وشَهيدٌ؟ قالَ: نَعَم. قالا لَهُ: يا شَيخُ! فَنَحنُ مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ٦، هَرَبنا مِن سِجنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ مِنَ القَتلِ. فَقالَ لَهُما: مِنَ المَوتِ هَرَبتُما، وإلَى المَوتِ وَقَعتُما، الحَمدُ للَّهِ الَّذي أظفَرَني بِكُما.
فَقامَ إلَى الغُلامَينِ فَشَدَّ أكتافَهُما، فَباتَ الغُلامانِ لَيلَتَهُما مُكَتَّفَينِ. فَلَمَّا انفَجَرَ عَمودُ الصُّبحِ، دَعا غُلاماً لَهُ أسوَدَ، يُقالُ لَهُ: فُلَيحٌ، فَقالَ: خُذ هذَينِ الغُلامَينِ، فَانطَلِق بِهِما إلى شاطِئِ الفُراتِ، وَاضرِب عُنُقَيهِما، وَائتِني بِرَأسَيهِما لِأَنطَلِقَ بِهِما إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، وآخُذَ جائِزَةَ ألفَي دِرهَمٍ.
فَحَمَلَ الغُلامُ السَّيفَ، ومَشى أمامَ الغُلامَينِ، فَما مَضى إلّاغَيرَ بَعيدٍ حَتّى قالَ أحَدُ الغُلامَينِ: يا أسوَدُ، ما أشبَهَ سَوادَكَ بِسَوادِ بِلالٍ مُؤَذِّنِ رَسولِ اللَّهِ ٦! قالَ: إنَّ مَولايَ قَد أمَرَني بِقَتلِكُما، فَمَن أنتُما؟ قالا لَهُ: يا أسوَدُ، نَحنُ مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ٦، هَرَبنا مِن سِجنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ مِنَ القَتلِ: أضافَتنا عَجوزُكُم هذِهِ، ويُريدُ مَولاكَ قَتلَنا.
فَانكَبَّ الأَسوَدُ عَلى أقدامِهِما يُقَبِّلُهُما ويَقولُ: نَفسي لِنَفسِكُمَا الفِداءُ، ووَجهي لِوَجهِكُمَا الوِقاءُ، يا عِترَةَ نَبِيِّ اللَّهِ المُصطَفى، وَاللَّهِ لا يَكونُ مُحَمَّدٌ ٦ خَصمي فِي القِيامَةِ.
ثُمَّ عَدا فَرَمى بِالسَّيفِ مِن يَدِهِ ناحِيَةً، وطَرَحَ نَفسَهُ فِي الفُراتِ، وعَبَرَ إلَى الجانِبِ الآخَرِ، فَصاحَ بِهِ مَولاهُ: يا غُلامُ عَصَيتَني! فَقالَ: يا مَولايَ، إنَّما أطَعتُكَ ما دُمتَ لا تَعصِي اللَّهَ، فَإِذا عَصَيتَ اللَّهَ فَأَنَا مِنكَ بَرِيءٌ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ.
فَدَعَا ابنَهُ، فَقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّما أجمَعُ الدُّنيا حَلالَها وحَرامَها لَكَ، وَالدُّنيا مُحَرَّصٌ