موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٠١
وقالَ لَهُم: مَن أنتُم؟ قالوا: نَحنُ أهلُ الشّامِ، قالَ: وهذا رَأسُ مَن هُوَ؟ قالوا: رَأسُ الحُسَينِ بنِ عَلِيٍّ، قالَ: بِئسَ القَومُ أنتُم، وَاللَّهِ، لَو كانَ لِعيسى ٧ وَلَدٌ لَأَدخَلناهُ أحداقَنا.
ثُمَّ قالَ: يا قَومُ، عِندي عَشَرَةُ آلافِ دينارٍ وَرِثتُها مِن أبي وأبي مِن أبيهِ، فَهَل لَكُم أن تُعطوني هذَا الرَّأسَ لِيَكونَ عِندِي اللَّيلَةَ، واعطِيَكُم هذِهِ العَشَرَةَ آلافِ دينارٍ؟
قالوا: بَلى، فَأَحدَرَ إلَيهِمُ الدَّنانيرَ، فَجاؤوا بِالنَّقّادِ ووُزِنَتِ الدَّنانيرُ ونُقِدَت، ثُمَّ جُعِلَت في جِرابٍ وخُتِمَ عَلَيهِ، ثُمَّ ادخِلَ الصُّندوقَ، وشالوا إلَيهِ الرَّأسَ، فَغَسَلَهُ الدَّيرانِيُّ، ووَضَعَهُ عَلى فَخِذِهِ، وجَعَلَ يَبكِي اللَّيلَ كُلَّهُ عَلَيهِ، فَلَمّا أن أسفَرَ عَلَيهِ الصُّبحُ، قالَ:
يا رَأسُ، لا أملِكُ إلّانَفسي، وأنَا أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّااللَّهُ وأنَّ جَدَّكَ رَسولُ اللَّهِ، فَأَسلَمَ النَّصرانِيُّ، وصارَ مَولىً لِلحُسَينِ ٧، ثُمَّ أحدَرَ الرَّأسَ إلَيهِم، فَأَعادوهُ إلَى الصُّندوقِ ورَحَلوا.
فَلَمّا قَرُبوا مِن دِمَشقَ قالوا: نُحِبُّ أن نَقسِمَ تِلكَ الدَّنانيرَ؛ لِأَنَّ يَزيدَ إن رَآها أخَذَها مِنّا، فَفَتَحُوا الصُّندوقَ، وأخرَجُوا الجِرابَ بِخَتمِهِ وفَتَحوهُ، فَإِذَا الدَّنانيرُ كُلُّها قَد تَحَوَّلَت خَزَفاً، وإذا عَلى جانِبٍ مِنَ الجانِبَينِ مِنَ السِّكَّةِ مَكتوبٌ: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ»[١]، وعَلَى الجانِبِ الآخَرِ: «وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ».[٢]
قالوا: قَدِ افتَضَحنا وَاللَّهِ، ثُمَّ رَمَوها في بَرَدى[٣]- نَهرٍ لَهُم- فَمِنهُم مَن تابَ مِن ذلِكَ الفِعلِ لِما رَأى، ومِنهُم مَن بَقِيَ عَلى إصرارِهِ. وكانَ رَئيسُ مَن بَقِيَ عَلى ذلِكَ
[١]. إبراهيم: ٤٢.
[٢]. الشعراء: ٢٢٧.
[٣]. بَرَدَى، بثلاث فتحات: أعظم أنهر دمشق( معجم البلدان: ج ١ ص ٣٧٨).