موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٥
تَعلَمونَ، ورَكِبتُم مِنهُ ما لا تُنكِرونَ، حَتّى أتَتهُ مَنِيَّتُهُ وصارَ رَهناً بِعَمَلِهِ.
ثُمَّ قَلَّدَ أبي وكانَ غَيرَ خَليقٍ لِلخَيرِ، فَرَكِبَ هَواهُ، وَاستَحسَنَ خَطَأَهُ، وعَظُمَ رَجاؤُهُ، فَأَخلَفَهُ الأَمَلُ، وقَصُرَ عَنهُ الأَجَلُ، فَقُلَّت مَنَعَتُهُ، وَانقَطَعَت مُدَّتُهُ، وصارَ في حُفرَتِهِ، رَهناً بِذَنبِهِ، وأسيراً بِجُرمِهِ.
ثُمَّ بَكى، وقالَ: إنَّ أعظَمَ الامورِ عَلَينا عِلمُنا بِسوءِ مَصرَعِهِ، وقُبحِ مُنقَلَبِهِ، وقَد قَتَلَ عِترَةَ الرَّسولِ، وأباحَ الحُرمَةَ، وحَرَقَ الكَعبَةَ، وما أنَا المُتَقَلِّدُ امورَكُم، ولَا المُتَحَمِّلُ تَبِعاتِكُم، فَشَأنُكُم أمرُكُم، فَوَاللَّهِ، لَئِن كانَتِ الدُّنيا مَغنَماً لَقَد نِلنا مِنها حَظّاً، وإن تَكُن شَرّاً فَحَسبُ آلِ أبي سُفيانَ ما أصابوا مِنها.[١]
٢٥٢٧. حياة الحيوان الكبرى: ثُمَّ قامَ بِالأَمرِ بَعدَهُ [أي بَعدَ يَزيدَ] ابنُهُ مُعاوِيَةُ، وكانَ خَيراً مِن أبيهِ، فيهِ دينٌ وعَقلٌ، بويِعَ لَهُ بِالخِلافَةِ يَومَ مَوتِ أبيهِ، فَأَقامَ فيها أربَعينَ يَوماً، وقيلَ أقامَ فيها خَمسَةَ أشهُرٍ وأيّاماً، وخَلَعَ نَفسَهُ.
وذَكَرَ غَيرُ واحِدٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بنَ يَزيدَ لَمّا خَلَعَ نَفسَهُ صَعِدَ المِنبَرَ، فَجَلَسَ طَويلًا، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثنى عَلَيهِ بِأَبلَغِ ما يَكونُ مِنَ الحَمدِ وَالثَّناءِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّبِيَّ ٦ بِأَحسَنِ ما يُذكَرُ بِهِ، ثُمَّ قالَ:
يا أيُّهَا النّاسُ! ما أنَا بِالرّاغِبِ فِي الائتِمارِ عَلَيكُم لِعَظيمِ ما أكرَهُهُ مِنكُم، وإنّي لَأَعلَمُ أنَّكُم تَكرَهونَنا أيضاً؛ لِأَنّا بُلينا بِكُم وبُليتُم بِنا، ألا إنَّ جَدّي مُعاوِيَةَ قَد نازَعَ في هذَا الْأَمرِ مَن كانَ أولى بِهِ مِنهُ ومِن غَيرِهِ، لِقَرابَتِهِ مِن رَسولِ اللَّهِ ٦، وعِظَمِ فَضلِهِ وسابِقَتِهِ، أعظَمُ المُهاجِرينَ قَدراً، وأشجَعُهُم قَلباً، وأكثَرُهُم عِلماً، وأوَّلُهُم إيماناً، وأشرَفُهُم مَنزِلَةً، وأقدَمُهُم صُحبَةً، ابنُ عَمِّ رَسولِ اللَّهِ ٦، وصِهرُهُ وأخوهُ، زَوَّجَهُ ٦ ابنَتَهُ فاطِمَةَ، وجَعَلَهُ لَها بَعلًا بِاختِيارِهِ لَها، وجَعَلَها لَهُ زَوجَةً بِاختِيارِها لَهُ، أبو سِبطَيهِ
[١]. تاريخ اليعقوبي: ج ٢ ص ٢٥٤.