موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٢
عَلَيها، فَخُذ هذَينِ الغُلامَينِ إلَيكَ، فَانطَلِق بِهِما إلى شاطِئِ الفُراتِ، فَاضرِب عُنُقَيهِما وَائتِني بِرَأسَيهِما، لِأَنطَلِقَ بِهِما إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ وآخُذَ جائِزَةَ ألفَي دِرهَمٍ.
فَأَخَذَ الغُلامُ السَّيفُ، ومَشى أمامَ الغُلامَينِ، فَما مَضى إلّاغَيرَ بَعيدٍ حَتّى قالَ أحَدُ الغُلامَينِ: يا شابُّ، ما أخوَفَني عَلى شَبابِكَ هذا مِن نارِ جَهَنَّمَ! فَقالَ: يا حَبيبَيَّ، فَمَن أنتُما؟ قالا: مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ٦ يُريدُ والِدُكَ قَتلَنا.
فَانكَبَّ الغُلامُ عَلى أقدامِهِما يُقَبِّلُهُما، وهُوَ يَقولُ لَهُما مَقالَةَ الأَسوَدِ، ورَمى بِالسَّيفِ ناحِيَةً وطَرَحَ نَفسَهُ فِي الفُراتِ وعَبَرَ، فَصاحَ بِهِ أبوهُ: يا بُنَيَّ عَصَيتَني! قالَ:
لَأَن اطيعَ اللَّهَ وأعصِيَكَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أعصِيَ اللَّهَ واطيعَكَ.
قالَ الشَّيخُ: لا يَلي قَتلَكُما أحَدٌ غَيري، وأخَذَ السَّيفَ ومَشى أمامَهُما، فَلَمّا صارَ إلى شاطِىءِ الفُراتِ سَلَّ السَّيفَ مِن جَفنِهِ، فَلَمّا نَظَرَ الغُلامانِ إلَى السَّيفِ مَسلولًا اغرَورَقَت أعيُنُهُما، وقالا لَهُ: يا شَيخُ، انطَلِق بِنا إلَى السّوقِ وَاستَمتِع بِأَثمانِنا، ولا تُرِد أن يَكوَن مُحَمَّدٌ خَصمَكَ فِي القِيامَةِ غَداً.
فَقالَ: لا، ولكِن أقتُلُكُما وأذهَبُ بِرَأسَيكُما إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، وآخُذُ جائِزَةَ ألفَي دِرهَمٍ.
فَقالا لَهُ: يا شَيخُ! أما تَحفَظُ قَرابَتَنا مِن رَسولِ اللَّهِ ٦؟
فَقالَ: ما لَكُما مِن رَسولِ اللَّهِ قَرابَةٌ.
قالا لَهُ: يا شَيخُ! فَائتِ بِنا إلى عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ حَتّى يَحكُمَ فينا بِأَمرِهِ.
قالَ: ما إلى ذلِكَ سَبيلٌ إلَّاالتَّقَرُّبُ إلَيهِ بِدَمِكُما.
قالا لَهُ: يا شَيخُ! أما تَرحَمُ صِغَرَ سِنِّنا؟
قالَ: ما جَعَلَ اللَّهُ لَكُما في قَلبي مِنَ الرَّحمَةِ شَيئاً.