موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٩
قالَ: وكَيفَ لا أعرِفُ جَعفَراً، وقَد أنبَتَ اللَّهُ لَهُ جَناحَينِ يَطيرُ بِهِما مَعَ المَلائِكَةِ كَيفَ يَشاءُ!
قالَ: أفَتَعرِفُ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ؟
قالَ: وكَيفَ لا أعرِفُ عَلِيّاً، وهُوَ ابنُ عَمِّ نَبِيّي وأخو نَبِيّي! قالَ لَهُ: يا شَيخُ، فَنَحنُ مِن عِترَةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ٦، ونَحنُ مِن وُلدِ مُسلِمِ بنِ عَقيلِ بنِ أبي طالِبٍ، بِيَدِكَ اسارى، نَسأَلُكَ مِن طَيِّبِ الطَّعامِ فَلا تُطعِمُنا، ومِن بارِدِ الشَّرابِ فَلا تَسقينا، وقَد ضَيَّقتَ عَلَينا سِجنَنا.
فَانكَبَّ الشَّيخُ عَلى أقدامِهِما يُقَبِّلُهُما ويَقولُ: نَفسي لِنَفسِكُمَا الفِداءُ، ووَجهي لِوَجهِكُمَا الوِقاءُ، يا عِترَةَ نَبِيِّ اللَّهِ المُصطَفى، هذا بابُ الِّسجنِ بَينَ يَدَيكُما مَفتوحٌ، فَخُذا أيَّ طَريقٍ شِئتُما.
فَلَمّا جَنَّهُمَا اللَّيلُ أتاهُما بِقُرصَينِ مِن شَعيرٍ وكوزٍ مِنَ الماءِ القَراحِ ووَقَّفَهُما عَلَى الطَّريقِ، وقالَ لَهُما: سيرا- يا حَبيبَيَّ- اللَّيلَ، وَاكمُنَا النَّهارَ حَتّى يَجعَلَ اللَّهُ عز و جل لَكُما مِن أمرِكُما فَرَجاً ومَخرَجاً. فَفَعَلَ الغُلامانِ ذلِكَ.
فَلَمّا جَنَّهُمَا اللَّيلُ، انتَهَيا إلى عَجوزٍ عَلى بابٍ، فَقالا لَها: يا عَجوزُ، إنّا غُلامانِ صَغيرانِ غَريبانِ حَدَثانِ غَيرُ خَبيرَينِ بِالطَّريقِ، وهذَا اللَّيلُ قَد جَنَّنا، أضيفينا سَوادَ لَيلَتِنا هذِهِ، فَإِذا أصبَحنا لَزِمنَا الطَّريقَ. فَقالَت لَهُما: فَمَن أنتُما يا حَبيبَيَّ؟ فَقَد شَمَمتُ الرَّوائِحَ كُلَّها، فَما شَمَمتُ رائِحَةً أطيَبَ مِن رائِحَتِكُما، فَقالا لَها: يا عَجوزُ، نَحنُ مِن عِترَةِ نَبِيِّكِ مُحَمَّدٍ ٦، هَرَبنا مِن سِجنِ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ مِنَ القَتلِ.
قالَتِ العَجوزُ: يا حَبيبَيَّ! إنَّ لي خَتُناً فاسِقاً، قَد شَهِدَ الواقِعَةَ مَعَ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ زِيادٍ، أتَخَوَّفُ أن يُصيبَكُما هاهُنا فَيَقتُلَكُما. قالا: سَوادَ لَيلَتِنا هذِهِ، فَإِذا أصبَحنا لَزِمنا الطَّريقَ. فَقالَت: سَآتيكُما بِطَعامٍ.