موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٥
لِسانِ أميرِ المُؤمِنينَ ٧، وقَد أشارَت إلَى النّاسِ بِأَن أنصِتوا، فَارتَدَّتِ الأَنفاسُ وسَكَنَتِ الأَجراسُ[١]، ثُمَّ قالَت- بَعدَ حَمدِ اللَّهِ تَعالى وَالصَّلاةِ عَلى رَسولِهِ ٦-:
أمّا بَعدُ يا أهلَ الكوفَةِ، يا أهلَ الخَتلِ وَالغَدرِ وَالخَذلِ وَالمَكرِ، ألا فَلا رَقَأَتِ العَبرَةُ ولا هَدَأَتِ الزَّفرَةُ، إنَّما مَثَلُكُم كَمَثَلِ «كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ»[٢]، هَل فيكُم إلَّاالصَّلَفُ وَالعُجبُ، وَالشَّنَفُ وَالكَذِبُ، ومَلَقُ[٣] الإِماءِ، وغَمزُ الأَعداءِ، أو كَمَرعى عَلى دِنَةٍ[٤] أو كَفِضَّةٍ عَلى مَلحودَةٍ، ألا بِئسَ ما قَدَّمَت لَكُم أنفُسكُم أن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيكُم وفِي العَذابِ أنتمُ خالِدونَ.
أتَبكونَ أخي؟! أجَل وَاللَّهِ فَابكوا فَإِنَّكُم وَاللَّهِ أحرِياءُ[٥] بِالبُكاءِ، فَابكوا كَثيراً وَاضحَكوا قَليلًا، فَقَد بُليتُم بِعارِها، ومُنيتُم بِشَنارها ولَن تَرحَضوها[٦] أبَداً، وأنّى تَرحَضونَ قَتلَ سَليلِ خاتَمِ النُّبُوَّةِ، ومَعدِنِ الرِّسالَةِ، وسَيِّدِ شَبابِ أهلِ الجَنَّةِ، ومَلاذِ حَريمِكُم، ومَعاذِ حِزبِكُم، ومَقَرِّ سِلمِكُم، وآسي[٧] كَلِمكُم[٨]، ومَفزَعِ نازِلَتِكُم، وَالمَرجِعِ إلَيهِ عِندَ مُقاتَلَتِكُم، ومَدَرَةِ[٩] حُجَجِكُم، ومَنارِ مَحَجَّتِكُم.
ألا ساءَ ما قَدَّمَت لَكُم أنفُسُكُم، وساءَ ما تَزِرونَ لِيَومِ بَعثِكُم. فَتَعساً تَعساً!
[١]. الجرس: الصوت الخفيّ( الصحاح: ج ٣ ص ٩١٢« جرس»).
[٢]. النحل: ٩٢.
[٣]. الملق: أن يعطي بلسانه ما ليس في قلبه( لسان العرب: ج ١٠ ص ٣٤٧« ملق»).
[٤]. الدّمنة: هي ما تُدمّنه الإبل والغنم بأبعارها ... فربما نَبَتَ فيها النبات الحسن النضير( النهاية: ج ٢ ص ١٣٤« دمن»).
[٥]. أحرياء: جمع حريّ؛ وهو الخليق( راجع: لسان العرب: ج ١٤ ص ١٧٣« حري»).
[٦]. ترحضوها: أي تغسلوها( راجع: النهاية: ج ٢ ص ٢٠٨« رحض»).
[٧]. الآسي: الطبيب( الصحاح: ج ٦ ص ٢٢٦٩).
[٨]. الكلم: الجراحة( الصحاح: ج ٥ ص ٢٠٢٣« كلم»).
[٩]. المدرة: زعيم القوم والمتكلّم عنهم( الصحاح: ج ٦ ص ٢٢٣١« دره»).