موسوعة الإمام الحسين في الكتاب و السنة و التاريخ - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٢٨
وَالرُّؤوسِ، وكُلَّما نَزَلوا مَنزِلًا أخرَجُوا الرَّأسَ مِن صُندوقٍ أعَدّوهُ لَهُ، فَوَضَعوهُ عَلى رُمحٍ، وحَرَسوهُ طولَ اللَّيلِ إلى وَقتِ الرَّحيلِ، ثُمَّ يُعيدوهُ إلَى الصُّندوقِ ويَرحَلوا.
فَنَزلوا بَعضَ المَنازِلِ، وفي ذلِكَ المَنزِلِ دَيرٌ فيهِ راهِبٌ، فَأَخرَجُوا الرَّأسَ عَلى عادَتِهِم، ووَضَعوهُ عَلَى الرُّمحِ، وحَرَسَهُ الحَرَسُ عَلى عادَتِهِ، وأسنَدُوا الرُّمحَ إلَى الدَّيرِ، فَلَمّا كانَ في نِصفِ اللَّيلِ رَأَى الرّاهِبُ نوراً مِن مَكانِ الرَّأسِ إلى عَنانِ السَّماءِ، فَأَشرَفَ عَلَى القَومِ، وقالَ: مَن أنتُم؟ قالوا: نَحنُ أصحابُ ابنِ زِيادٍ. قالَ:
وهذا رَأسُ مَن؟ قالوا: رَأسُ الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، ابنِ فاطِمَةَ بِنتِ رَسولِ اللَّهِ ٦. قالَ: نَبِيُّكُم؟ قالوا: نَعَم.
قالَ: بِئسَ القَومُ أنتُم، لَو كانَ لِلمَسيحِ وَلَدٌ لَأَسكَنّاهُ أحداقَنا، ثُمَّ قالَ: هَل لَكُم في شَيءٍ؟ قالوا: وما هُوَ؟ قالَ: عِندي عَشَرَةُ آلافِ دينارٍ تَأخُذونَها، وتُعطونِّي الرَّأسَ يَكونُ عِندي تَمامَ اللَّيلَةِ، وإذا رَحَلتُم تَأخُذونَهُ، قالوا: وما يَضُرُّنا، فَناوَلوهُ الرَّأسَ، وناوَلَهُمُ الدَّنانيرَ، فَأَخَذَهُ الرّاهِبُ، فَغَسَلَهُ وطَيَّبَهُ، وتَرَكَهُ عَلى فَخِذِهِ، وقَعَدَ يَبكي اللَّيلَ كُلَّهُ، فَلَمّا أسفَرَ الصُّبحُ قالَ: يا رَأسُ، لا أملِكُ إلّانَفسي، وأنَا أشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ جَدَّكَ مُحَمَّداً رَسولُ اللَّهِ، واشهِدُ اللَّهَ أنَّني مَولاكَ وعَبدُكَ.
ثُمَّ خَرَجَ عَنِ الدَّيرِ وما فيهِ، وصارَ يَخدِمُ أهلَ البَيتِ.[١]
٢٢٥٤. المناقب لابن شهر آشوب: لَمّا جاؤوا بِرَأسِ الحُسَينِ ٧ ونَزَلوا مَنزِلًا يُقالُ لَهُ قِنَّسرينَ،[٢]
[١]. تذكرة الخواصّ: ص ٢٦٣.
[٢]. كانت قِنَّسْرين مدينة[ في الشام] بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب العواصم، وما زالتعامرةً آهلة إلى أن كانت سنة ٣٥١ ه. ق وغلبت الروم على مدينة حلب وقتلت جميع ما كان بربضها، فخاف أهل قنّسرين، وتفرّقوا في البلاد( معجم البلدان: ج ٤ ص ٤٠٤) و راجع: الخريطة رقم ٥ في آخر هذا المجلّد.