منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤ - المعنى
إذ يقال جاء زيد و لكن عمروا لم يجيء، و قد يقال زيد حاضر و لكن عمروا غايب، و لا يلزم أيضا أن يكون بينهما تضادّ حقيقي بل التّنافي بوجه ما قال تعالى:
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فانّ عدم الشّكر لا يناسب الافضال، بل اللّايق به ان يشكر، و كلام أمير المؤمنين ٧ من هذا القبيل، قوله فيقال: في الموضعين بنصب المضارع و انتصابه بعد فاء السّببيّة مع تقدّم النّفي قاعدة كليّة، و قضاء متقن خبر لمبتدأ و هكذا ما بعده، و قوله المأمول مع النّقم أيضا خبر أى هو المأمول و المرهوب.
المعنى
اعلم أنّ هذه الخطبة الشّريفة مشتملة على نكات لطيفة من العلوم الالهيّة متضمّنة لجملة من الصّفات الكمالية.
الاولى ما اشار إليه بقوله (الحمد للّه الذي لم يسبق له حال حالا فيكون أوّلا قبل أن يكون آخرا، و يكون ظاهرا قبل أن يكون باطنا) و المستفاد منه شيئان الاول أنّه سبحانه متّصف بالأوّلية و الآخرية و الظاهريّة و الباطنية الثاني أنّ اتّصافه تعالى بها ليس على نحو السبق و اللحوق و القبليّة و البعديّة أمّا الأوّل فقد أشير إليه في سورة الحديد قال سبحانه هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و اختلف في معنى هذه الصّفات فقال الصّدوق في التّوحيد: هو الأوّل بغير ابتداء، و الآخر بغير انتهاء، و الظاهر بآياته التي أظهرها من شواهد قدرته و آثار حكمته و بيّنات حجّته التي عجز الخلق جميعا عن إبداع أصغرها و إنشاء أيسرها و أحقرها عندهم كما قال عزّ و جلّ:
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ فليس شيء من خلقه إلّا و هو شاهد له على وحدانيّته من جميع جهاته و أعرض تبارك و تعالى عن وصف ذاته و هو ظاهر بآياته محتجب بذاته