أمراء الكوفة وحكامها - محمّد علي آل خليفة - الصفحة ٦٢٤ - ٥٧ ـ أبو عيسى بن هارون الرشيد
وخرج أبو عيسى ذات يوم إلى بستان له ليلهو ، ومعه عبد الله [١] بن العبّاس ومحمّد بن الحارث وجماعة آخرين ، وبعد أن شربوا ، وغنّوا جاءت (عساليج) [٢] وبيدها عود ، فغنّت لهم فطربوا ، وأخذ عبد الله بن العبّاس يطيل النظر إليها ، ويثني عليها بعبارات الاستحسان والإعجاب ، فنظر إليه أبو عيسى ، وقال له : أعشقتها يا عبد الله؟
فقال : لا ، ولكنّني تعجبت من جميل صورتها ، وحسن أخلاقها ، ورجاحة عقلها. ولمّا أكثروا من الشراب ، غلب النبيذ على عبد الله فأخذ يغني :
| نطق السّكر بسري فبدا | كم يرى المكتوم يخفي لا يضح | |
| سحر عينيك إذا ما رنتا | لم يدع ذا صبوة أو يفتضح | |
| ملكت قلبا فأمسى غلقا | عندها صبّا بها لم يسترح | |
| بجمال وغناء حسن | جلّ عن أن ينتقيه المقترح | |
| أورث القلب هموما ولقد | كنت مسرورا بمرآه فرح | |
| ولكم مغتبق همّا وقد | بكر اللهو بكور المصطبح |
فالتفت إليه أبو عيسى وقال : فعلتها والله يا عبد الله ، أتنكر عليّ يا عبد الله حبّك لعساليج؟ وقد فضحك السّكر؟ ثمّ قال له : (والله لو كانت لي لوهبتها لك ، ولكنّها لآل يحيى بن معاذ ، والله لو باعوها لاشتريتها لك ، ولو بكل ما أملك) [٣].
وعشق (التيمي) [٤] جارية لبعض النخاسين ، فذهب إلى أبي عيسى
[١] عبد الله بن العبّاس : بن الفضل بن الربيع ، شاعر ومغني.
[٢] عساليج : وهي إحدى المغنيات الشهيرات في العصر العباسي.
[٣] أبو الفرج الأصبهاني ـ الأغاني. ج ١٩ / ٢٣٩.
[٤] التيمي : هو عبد الله بن أيّوب ، كوفي الأصل ، من شعراء الدولة العباسيّة.