أمراء الكوفة وحكامها - محمّد علي آل خليفة - الصفحة ٣٧ - ١ ـ سعد بن أبي وقّاص
تنتقل بأهلها انتقالا ، وتعقبهم بعد حال حالا ، كنا ملوك هذا المصر ، يجبى إلينا خراجه ، ويطيعنا أهله ، مدى المدّة وزمان الدولة ، فلمّا أدبر الأمر وانقضى ، صاح بنا صائح الدهر ، فصدع عصانا ، وشتّت شملنا ، وكذلك الدهر يا سعد ، إنّه ليس يأتي قوما بمسرّة ، إلّا ويعقبهم بحسرة ، ثمّ أنشأت تقول [١] :
| فينا نسوس الناس والأمر أمرنا | إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف | |
| فأوف لدنيا لا يدوم نعيمها | تقلب ثارات بنا وتصرف |
فقال سعد : قاتل الله عدي بن زيد كان ينظر إليها حيث يقول :
| إنّ للدهر صولة فاحذرنها | لا تبيتن قد أمنت الدهورا | |
| قد يبيت الفتى معافى نعيمها | ولقد كان آمنا مسرورا |
وبينما هي واقفة أمام سعد ، إذ دخل عمرو بن معد بن يكرب الزبيدي وكان كثير الزيارة لأبيها في الجاهلية ، فلمّا رآها ، قال لها بدهشة : أنت حرقة؟ قالت : نعم.
فقال لها عمرو : (فما دهمك فأذهبت محمودات شيمك؟ وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟).
فقالت حرقة : (يا عمرو ، إنّ للدهر لسطوات وعثرات ، وعبرات تعثر بالملوك وأبنائهم ، فتنزلهم بعد رفعة ، وتفردهم بعد منعه ، وتذلّهم بعد عزّة ، إنّ هذا لأمر كنّا ننتظره ، فلمّا حلّ بنا لم ننكره) [٢]. فأكرمها سعد ، وأحسن عطائها ، ولمّا خرجت سألتها النسوة : ماذا أعطاك الأمير؟ فقالت [٣] :
| حاط لي ذمتي ، وأكرم وجهي | إنّما يكرم الكريم الكريم |
وسمع الخليفة عمر بأنّ سعدا قد بنى دارا له بالكوفة ، يسمّيها الناس
[١] المسعودي ـ مروج الذهب. ج ٢ / ٧٩ وعبد القادر البغدادي ـ خزانة الأدب. ج ٧ / ٦٨.
[٢] المصدر الاوّل السابق. ج ٢ / ٨٠.
[٣] عبد القادر البغدادي ـ خزانة الأدب. ج ٧ / ٦٨ والترمانيني ـ أحداث التاريخ الإسلامي. ج ١ / ٥٤٩.