تحفة العالم في شرح خطبة المعالم - السيّد جعفر بحر العلوم - الصفحة ٢٩٧ - الشهيد الثاني
يعود على نفسه نفعه في اليوم والليلة ، أمّا النهار في تدريس ومطالعة وتصنيف ومراجعة ، وأمّا الليل قله فيه استعداد کامل لتحصيل ما يبتغيه من الفضائل.
هذا مع غاية اجتهاده في التوجّه إلى مولاه ، وقيامه بأوراد العبادة حَتَّى تكلَّ قدماه ، وهو مع ذلك قائم بالنظر في أحوال معيشته على أحسن نظام ، وقضاء حوائج المحتاجين بأتمَّ قیام ، يلقى الأضياف بوجه مسفر عن کرم کانسجام الأمطار [وبشاشة تكشف عن شمم كالنسيم المعطار] ، یکاد يبرح بالروح وترتاح إليه النفوس كالغصن المروح [١] ، إن رآه الناظر على اُسلوبٍ ظنَّ أنه ما يعاطي سواه ، ولم يعلم أنه بلغ من كل فنٍّ منتهاه ، ووصل منه إلى غاية أقصاه ، فجاء نظامه أرق من النسيم للعليل ، وآنق من الروض البليل.
أمّا الأدب فإليه كان منتهاه ، ورقي فيه حَتَّى بلغ سما سهاه ، وأمّا الفقه فقد كان قطب مداره وفلك شموسه [٢] وأقماره ، وكأنه هوی نجم سعوده في داره.
وأمّا الحديث فقد مد فيه باعاً طويلا ، وذلل صعاب معانيه تذليلاً ، وشعشع القول فيه وروقه ، ومد في ميدان الإعجاز مطلقه ، حَتَّى صار نصب عينيه عياناً ، وجعل للسالكين في طرقه تبياناً ، أدأب نفسه في تصحيحه وإبرازه للناس حَتَّى فشا ، وجعل ورده في ذلك غالباً فيما بين المغرب والعشاء ، وما ذاك إلا لأنه ضبط أوقاته بتمامها ، وكانت هذه الفترة بغير ورد فزيّن الأوراد بختامها.
[١] المروح : المطيب بالمسك. (لسان العرب ٢ : ٤٥۸).
[٢] في الأصل : (قلك شموسه)