التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٨ - طبقات القراء
يقتصرون فى الافتاء- منذ ذلك العهد- على ما أفتى به الائمة الاربعة فحسب. و هى كارثة عظمى اوقفت نابضة حياة المسلمين، التى كانت قبل تتقدم الى الامام بخطوات واسعة[١].
و فائدة اخرى نتوخاها وراء هذا العرض، هو: الوقوف على مدى تأثير الاجتهاد الشخصى فى اختيارات القراء، كان أحدهم يتتلمذ على شيخه ليتعرف الى اصول القراءة، و هكذا عند غيره و آخر. لكنه بعد ما اجتمعت لديه معلومات عن اصول الفن، كان يستقل فى الاختيار، و يستند فى قراءاته الى اجتهاده الخاص.
قال ابو عبيد- فى كتاب القراءات-: كان الكسائى يتخير القراءات، فأخذ من قراءة حمزة ببعض و ترك بعضا. و قال ابو عمرو الدانى: قرأ الكسائى على محمد بن عبد الرحمن بن ابى ليلى، و اختار لنفسه قراءة ... و هكذا[٢].
و هذا شىء طبيعى كثيرا ما يختلف اختيار التلميذ عن شيخه، حيث اختلاف الانظار و السلائق. و الا لكانت القراءة تقليدية يتداولها شيخ عن شيخ من غير اختلاف مع الابد.
و هكذا نجد اختلاف بعض القراء- و هم فى طبقة واحدة- مع البعض. او نقض أحدهم على صاحبه- و هما يقرءان على شيخ واحد- كل ذلك دليل على مدى تحكيم الاجتهاد فى اختيار القراءات.
من ذلك ما ذكره ابن مجاهد، قال: قال لى قنبل: قال القواس- فى سنة سبع و ثلاثين و مائتين-: الق هذا الرجل (يعنى البزى)[٣]
[١] و قد وصف المؤرخون هذا القرن الرابع بدور ضعف الاسلام و انحطاط المسلمين و شيوع الفوضوية و الاضطراب فى انحاء البلاد الاسلامية. راجع: مروج الذهب ج ٢ ص ٧٣ و آدم متز ج ١ ص ٢٥.
[٢] انظر:- القراء الكبار للذهبى- ج ١ ص ١٠٠- ١٠١.
[٣] قنبل و البزى راويا ابن كثير.