التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٢١ - من سورة البقرة - ست و عشرون آية
أخذ القائل بالنسخ بعموم التشبيه لتكون الآية الاولى فرضت الصيام على المسلمين بالكيفية التى كانت على الامم السالفة طابق النعل بالنعل فلا يجوز لهم مقاربة النساء، و لا تناول الطعام و الشراب اذا قاموا بعد العشاء الآخرة. و هذا الحكم منسوخ بالآية الثانية لا محالة.
لكن على فرض التسليم فهو تخصيص للحكم لا نسخ له رأسا.
و العمدة ان التشبيه هنا ينظر الى ناحية اصل وجوب الصوم، تخفيفا لوطأة هذا التكليف، اما الآية الثانية فهو ترخيص فى مقام توهم الحظر، او هو رفع لحكم ثبت بالسنة، فان حرمة مقاربة النساء و الاكل و الشرب بعد عشاء الآخرة ليست مما تستفاد من الآية الاولى.
١٠- «وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ- ١٨٤».
قال ابن حزم: نسخها قوله «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ- ١٨٥»[١].
هؤلاء فسروا الاطاقة هنا بالقدرة، فكان ظاهر الآية تخيير المتمكن بين الصوم و الفداء. لكن الاطاقة هنا بمعنى بلوغ غاية الجهد، كناية عن المشقة البالغة فى الصوم، فهذا مرخص له فى الافطار و الفداء، اذن فهذه الآية تخصيص فى الحكم المستفاد من الآية الثانية، كما هو تخصيص فى الحكم المستفاد من صدر الآية الاولى ايضا.
١١- «وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَ لا تَعْتَدُوا- ١٩٠».
لما نزلت كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقاتل من قاتله من المشركين و يكف عمن كف عنه، فنسخت بقوله تعالى: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ- التوبة: ٥»[٢].
و قد تقدم انه من التدرج فى أمر القتال.
[١] بهامش الجلالين ج ٢ ص ١٦٢ و راجع مجمع البيان ج ٢ ص ٢٧٤.
[٢] مجمع البيان ج ٢ ص ٢٨٤.