التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٥ - شبهات حول النسخ فى القرآن
تستدعى تبديل تشريع سابق الى تشريع لاحق يلتئم مع هذا الاخير.
اما لما ذا لم ينبه الشارع تعالى على هذا التحديد من اول الامر؟
فلعل هناك مصلحة مستدعية لهذا الاخفاء، منها توطين نفوس مؤمنة و ترويضها على الطاعة و الانقياد، و لا سيما اذا كان التشريع الاول اشد و اصعب، فيتبدل الى تشريع اسهل و اخف، تسهيلا على الامة و تخفيفا عليهم رحمة من اللّه.
(الشبهة الثانية): ان وجود آية منسوخة فى القرآن ربما يسبب اشتباه المكلفين، فيظنونها آية محكمة يعملون بها او يلتزمون بمفادها، الامر الذى يكون اغراء الجهل، و هو قبيح.
(الجواب): ان مضاعفات جهل كل انسان تعود الى نفسه، و لم يكن الجهل يوما ما عذرا مقبولا لدى العقلاء. فاذا كانت المصلحة تستدعى نسخ تشريع سابق بتشريع لاحق، فعلى المكلفين ان يتنبهوا هم على هذا الاحتمال فى التشريع، و لا سيما اذا كان التشريع فى بدء حركة اصلاحية آخذة فى التدرج نحو الكمال.
و هكذا كان فى القرآن ناسخ و منسوخ، و عام و خاص، و اطلاق و تقييد، و محكم و متشابه، و ليس لاحد التسرع الى الاخذ بآية حتى يعرف نوعيتها، كما ورد التنبيه على ذلك فى احاديث مستفيضة عن أئمة الدين، قال على عليه السلام لقاض مر عليه: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال القاضى: لا. فقال امير المؤمنين عليه السلام: اذن هلكت و اهلكت[١].
(الشبهة الثالثة): ان الالتزام بوجود آيات ناسخة و آيات منسوخة فى القرآن يستدعى وجود تناف بين آياته الكريمة، الامر الذى يناقضه قوله تعالى:
[١] الاتقان ج ٢ ص ٢٠ و المناهل ج ٢ ص ٧٠ و البحار ج ٩٢ ص ٩٥.