تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٩٧ - ذكر مقتل إبراهيم بن عبد الله، أخي محمد بن عبد الله
و لمّا[١] أتي برأس إبراهيم إلى أبي جعفر بكى حتّى جرت دموعه على خدّ إبراهيم ثمّ قال: أما و اللّه لقد كنت كارها لهذا[٢]، ثمّ نصبه بالكوفة.
ثمّ قال للرّبيع: احمله إلى أبيه عبد اللّه إلى السّجن، فحمله الرّبيع فوافاه يصلّي[٣]، فقال له: أسرع، فأسرع و سلّم، فنظر إلى الرأس، فأخذه فوضعه[٤] في حجره، ثمّ قال: رحمك اللّه أبا القاسم، و أهلا بك و سهلا، لقد وفيت بعهد اللّه و ميثاقه.
فقال له الرّبيع: كيف كان أبو القاسم في نفسك؟ فقال: كما قيل:
|
فتى كان يحميه من الذّلّ سيفه |
و يكفيه سوآت الذّنوب اجتنابها |
|
ثمّ قال للرّبيع: قل لصاحبك: قد مضى من بؤسنا أيّام، و من نعيمك مثلها، و الملتقى بيننا القيامة و اللّه الحاكم.
قال الرّبيع: فأبلغته ما قال، فما رأيته منكسرا مثل انكساره حين قلت له ذلك[٥].
و قال الأصمعي: أحضر يوما إلى أبي جعفر هريسة الفستق و معها مصارين الدّجاج، محشوّة بشحم البطّ و السّكّر و دهن الفستق، فقال: إنّ إبراهيم و محمّدا أرادا أن يسبقاني إلى هذا فسبقتهما إليه[٦]!!
[١] - ج و ش: فلمّا.
[٢] - رواه الطّبري في تاريخه ٧/ ٦٤٨ و زاد بعده: و لكنّك ابتليت بي و ابتليت بك.
و ذكر عن صالح مولى المنصور: أنّ المنصور لمّا أتي برأس إبراهيم بن عبد اللّه وضعه بين يديه، و جلس مجلسا عامّا و أذن للنّاس، فكان الدّاخل يدخل فيسلّم و يتناول إبراهيم فيسيء القول فيه، و يذكر منه القبيح، التماسا لرضا أبي جعفر، و أبو جعفر ممسك متغيّر لونه، حتّى دخل جعفر بن حنظلة البهراني فوقف فسلّم ثمّ قال: عظّم اللّه أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمّك، و غفر له ما فرّط فيه من حقّك! فاصفّر لون أبي جعفر و أقبل عليه فقال:
أبا خالد، مرحبا و أهلا هاهنا! فعلم النّاس أنّ ذلك قد وقع منه، فدخلوا فقالوا مثل ما قال جعفر بن حنظلة.
و لاحظ أيضا مقاتل الطالبيّين ص ٣٠٢، و الكامل في التّاريخ ٥/ ٥٧١، و البداية و النّهاية ١٠/ ٩٧.
[٣] - ج و ش و م و ن: فوافاه فإذا عبد اللّه يصلّي ...
[٤] - م: و وضعه.
[٥] - روى نحوه المسعودي في مروج الذّهب ٣/ ٢٩٩- ٣٠٠ ذكر أيّام أبي جعفر المنصور.
[٦] - قال المسعودي في مروج الذّهب ٣/ ٢٩٨: و ذكر أنّ المنصور هيّئت له عجّة من مخّ و سكّر فاستطابها، فقال:-- أراد إبراهيم أن يحرمني هذا و أشباهه!!
أقول: و هكذا كانت همّة هؤلاء من الخلافة في نيل الدّنيا و لذّاتها، و قد مضت عنهم و وقعوا في تبعاتها.