تذكرة الخواص من الأمة بذكر خصائص الأئمة - سبط ابن الجوزي - الصفحة ٢٦٦ - فصل في يزيد بن معاوية
و ذكر جدّي أبو الفرج في كتاب: الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد، و قال: سألني سائل فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟ فقلت له: يكفيه ما به، [و السّكوت أصلح]، فقال: أتجوز لعنته؟ فقلت: قد أجازها العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حقّ يزيد ما يزيد على اللّعنة[١].
[١] - أورده ابن الجوزي في كتاب الردّ على المتعصّب العنيد ص ٦ و ١٣، و ما بين المعقوفين منه.
و قوله:« و ذكر جدّي» إلى قوله:« اللّعنة» من ك.
قال الباعوني في أواخر كتاب جواهر المطالب ٢/ ٣٠١: و سئل الكيا الهراسي و هو من كبار الأئمّة-[ و هو أبو الحسن عليّ بن محمّد بن عليّ الطّبري الشّافعي، المولود: ٤٥٠، المتوفّى ٥٠٤، المترجم تحت الرقم ٤٣٠ من وفيات الأعيان ٣/ ٢٨٦]- عن لعنة يزيد بن معاوية؟ فقال: لم يك[ يزيد من] الصّحابة، ولد في زمان عمر بن الخطّاب، و ركب العظائم المشهورة:[ ثمّ] قال:
و أمّا قول السّلف، ففيه لأحمد قولان: تلويح و تصريح، و لمالك أيضا قولان: تصريح و تلويح، و لنا قول واحد، و هو التّصريح دون التلويح.
قال: و كيف لا؟ و هو اللّاعب بالنّرد، المتصيّد بالفهد، و التّارك للصّلوات، و المدمن للخمر، و القاتل لأهل بيت النبيّ صلى اللّه عليه و سلّم، و المصرّح في شعره بالكفر الصّريح.
و قال الآلوسي في تفسير الآية ٢٢ من سورة محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و هي قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ الآية، من تفسير روح المعاني ١٤/ ١٠٨: و استدلّ بها[ أي بالآية المتقدّم ذكرها] على جواز لعن يزيد، عليه من اللّه تعالى ما يستحقّ.
نقل البرزنجي في الإشاعة، و الهيتمي في الصّواعق[ ص ١٣٢؛ ط ١] أنّ الإمام أحمد لمّا سأله ولده عبد اللّه عن لعن يزيد، قال: كيف لا يلعن من لعنه اللّه تعالى في كتابه!! فقال عبد اللّه: قد قرأت كتاب اللّه عزّ و جلّ فلم أجد فيه لعن يزيد، فقال الإمام: إنّ اللّه تعالى يقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ؟ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ الآية، و أيّ فساد و قطيعة أشدّ ممّا فعله يزيد!!
[ قال الآلوسي:] و هو مبنيّ على جواز لعن العاصي المعيّن من جماعة لعنوا بالوصف، و في ذلك خلاف، فالجمهور على أنّه لا يجوز لعن المعيّن، فاسقا كان أو ذميّا، حيّا كان أو ميّتا، و لم يعلم موته على الكفر، لاحتمال أن يختم له أو ختم له بالإسلام، بخلاف من علم موته على الكفر كأبي جهل.
و ذهب شيخ الإسلام السرّاج البلقيني إلى جواز لعن العاصي المعيّن، لحديث الصّحيحين:« إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات[ عنها] غضبان؛ لعنتها الملائكة حتّى تصبح».-- و في رواية:« إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتّى تصبح».
و احتمال أن يكون لعن الملائكة عليهم السّلام إيّاها ليس بالخصوص؛ بل بالعموم، بأن يقولوا:« لعن اللّه من باتت مهاجرة فراش زوجها» بعيد[ جدّا]، و إن بحث به معه ولده الجلال البلقيني.
و في[ كتاب] الزّواجر: لو استدلّ لذلك بخبر مسلم، أنّه صلى اللّه تعالى عليه و سلّم مرّ بحمار و سم في وجهه فقال:
« لعن اللّه من فعل هذا» لكان أظهر؛ إذ الإشارة ب« هذا» صريحة في لعن معيّن؛ إلّا أن يؤوّل بأنّ المراد الجنس، و فيه ما فيه. انته.
و على هذا القول لا توقف في لعن يزيد لكثرة أوصافه الخبيثة؛ و ارتكابه الكبائر في جميع أيّام تكليفه؛ و يكفي ما فعله- أيّام استيلائه- بأهل المدينة و مكّة؛ فقد روى الطّبراني بسند حسن:« اللّهمّ من ظلم أهل المدينة و أخافهم فأخفه، و عليه لعنة اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين؛ لا يقبل منه صرف و لا عدل».
و الطامّة الكبرى ما فعله بأهل البيت؛ و رضاه بقتل الحسين، على جدّه و عليه الصّلاة و السّلام؛ و استبشاره بذلك؛ و إهانته لأهل بيته ممّا تواتر معناه و إن كانت تفاصيله آحادا.
و في الحديث:« ستّة لعنتهم- و في رواية: لعنهم اللّه- و كلّ نبيّ مجاب الدّعوة: المحرّف لكتاب اللّه- و في رواية: الزّائد في كتاب اللّه- و المكذّب بقدر اللّه؛ و المتسلّط بالجبروت ليعزّ من أذلّ اللّه؛ و يذلّ من أعزّ اللّه؛ و المستحلّ من عترتي، و التّارك لسنّتي[ و المستحلّ لحرم اللّه]».
و قد جزم بكفره و صرّح بلعنه جماعة من العلماء، منهم الحافظ ناصر السنّة ابن الجوزي، و سبقه القاضي أبو يعلى.
و قال العلّامة التفتازاني: لا نتوقّف في شأنه؛ بل في[ عدم] إيمانه؛ لعنة اللّه تعالى عليه و على أنصاره و أعوانه.
و في تاريخ ابن الوردي و كتاب الوافي بالوفيات: إنّ السبى لمّا ورد من العراق على يزيد؛ خرج فلقي الأطفال و النّساء من ذريّة عليّ و الحسين رضي اللّه تعالى عنهما؛ و الرّؤوس على أطراف الرّماح؛ و قد أشرفوا على ثنية جيرون؛ فلمّا رآهم[ يزيد] نعب غراب؛ فأنشأ يقول:
|
لمّا بدت تلك الحمول و أشرفت |
تلك الرّؤوس على شفا جيروني |
|
|
نعب الغراب فقلت: قل أو لا تقل |
فقد اقتضيت من الرّسول ديوني |
|
يعني أنّه قتل[ الحسين و أصحابه] بمن قتله رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلّم يوم بدر؛ كجدّه عتبة، و خاله ولد عتبة و غيرهما؛ و هذا كفر صريح؛ فإذا صحّ عنه فقد كفر به؛ و مثله تمثّله بقول عبد اللّه بن الزّبعرى قبل إسلامه:
|
ليت أشياخي[ ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسلّ] |
|
الأبيات.-- و أفتى الغزّالي- عفا اللّه عنه- بحرمة لعنه.
و تعقّب السفاريني من الحنابلة نقل البرزنجي و الهيتمي السّابق عن أحمد؛ فقال: المحفوظ عن أحمد؛ خلاف ما نقلا؛ ففي الفروع ما نصّه:
و من أصحابنا من أخرج الحجّاج عن الإسلام؛ فيتوجّه عليه يزيد و نحوه؛ و نصّ أحمد على خلاف ذلك؛ و عليه الأصحاب؛ و لا يجوز التّخصيص باللّعنة؛ خلافا لأبي الحسين و ابن الجوزي و غيرهما.
و قال ابن تيميّة- و اللّه تعالى أعلم-: ظاهر كلام أحمد الكراهة.
و المختار ما ذهب إليه ابن الجوزي و أبو الحسين القاضي و من وافقهما. انته كلام السفاريني.
و أبو بكر ابن العربي المالكي عليه من اللّه ما يستحقّه؛ أعظم الفرية؛ فزعم أنّ الحسين قتل بسيف جدّه صلى اللّه عليه و سلّم!!!
و له من الجهلة موافقون على ذلك!!! كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً.
[ و] قال ابن الجوزي عليه الرّحمة في كتابه: السرّ المصون:
من الاعتقادات العامّة التي غلبت على جماعة منتسبين إلى السنّة؛ أن يقولوا: إنّ يزيد كان على الصّواب؛ و أنّ الحسين رضي اللّه تعالى عنه؛ أخطأ في الخروج عليه!!!
[ قال ابن الجوزي:] و لو نظروا[ هؤلاء] في السّير؛ لعلموا كيف عقدت له البيعة، و ألزم النّاس بها؛ و لقد فعل في ذلك كلّ قبيح؛ ثمّ لو قدّرنا صحّة عقد البيعة، فقد بدت منه بوادر كلّها توجب فسخ العقد؛ و لا يميل إلى ذلك إلّا كلّ جاهل عاميّ المذهب؛ يظنّ أنّه يغيظ بذلك الرّافضة.
و يعلم من جميع ما ذكره اختلاف النّاس في أمره؛ فمنهم من يقول: هو مسلم عاص بما صدر منه مع العترة الطّاهرة؛ لكن لا يجوز لعنه، و منهم من يقول: هو كذلك و يجوز لعنه مع الكراهة أو بدونها، و منهم من يقول: هو كافر ملعون، و منهم من يقول: إنّه لم يعص بذلك و لا يجوز لعنه!!
[ قال ابن الجوزي:] و قائل هذا ينبغي أن ينظم في أنصار يزيد.
[ قال الآلوسي:] و أنا أقول: إنّ الذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدّقا برسالة النبيّ[ صلى اللّه عليه و سلّم] و أنّ مجموع ما فعل مع أهل حرم اللّه تعالى و أهل حرم نبيّه عليه الصّلاة و السّلام و عترته الطّاهرين في الحياة و بعد المماة؛ و ما صدر منه من المخازي ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشّريف في قذر!!!
و لا أظنّ أنّ أمره كان خافيا على أجلّة المسلمين إذ ذاك؛ و لكن كانوا مغلوبين مقهورين لم يسعهم إلّا الصّبر ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا.
و لو سلّم أنّ الخبيث كان مسلما، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يطيق به نطاق البيان؛ و أنا أذهب إلى جواز لعن مثله على التّعيين؛ و لو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين، و الظّاهر أنّه لم يتب؛ و احتمال توبته أضعف-- من إيمانه.
و يلحق به ابن زياد؛ و ابن سعد؛ و جماعة[ أمثالهم]، فلعنة اللّه عزّ و جلّ عليهم أجمعين، و على أنصارهم و أعوانهم و شيعتهم، و من مال إليهم إلى يوم الدّين؛ ما دمعت عين على أبي عبد اللّه الحسين.
و يعجبني قول شاعر العصر ذي الفضل الجليّ عبد الباقي آفندي العمري الموصلي و قد سئل عن لعن يزيد اللّعين[ فقال]:
|
يزيد على لعني عريض جنابه |
فأغدو به طول المدى ألعن اللّعنا |
|
و من كان يخشى القال و القيل من التّصريح بلعن ذلك الضلّيل فليقل: لعن اللّه عزّ و جلّ من رضي بقتل الحسين؛ و من آذى عترة النبيّ بغير حقّ، و من غصبهم حقّهم، فإنّه يكون لاعنا له، لدخوله تحت العموم دخولا أوّليا في نفس الأمر.
و لا يخالف أحد في جواز اللّعن بهذه الألفاظ و نحوها، سوى ابن العربي المارّ ذكره و موافقيه؛ فإنّهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوّزون لعن من رضي بقتل الحسين رضي اللّه تعالى عنه؛ و ذلك لعمري هو الضّلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد.