الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٠٨ - الأمر الأول ما للبيان والبلاغة عند العرب من الشأن، ودور القرآن في تعليم البلاغة والفصاحة
أخذه؟!
فإنّ (العبسي)[١] وإن قال في أوّل معلّقته:
|
فوقفت فيها ناقتي وكأنّها |
فَدَنٌ لأقضي حاجةَ المتلوّمِ[٢] |
|
ولكن هيهات! أين هذا من ذاك؟! أين (الفدن) من (القصر)، وأين (ناقتي) من (شدنية)؟! أين (ملء الجبال)، وأين (رعت الحمى)؟!
وكلّ هذه ممّا زاد المعنى فخامة واللفظ حلاوة، فصارت كلّ كلمة تعتنق أُختها، وكلّ جملة ترتبط أشدّ الربط بما بعدها.
وكم ترى من التفاوت بين (رعت الحمى فأتت ملء الجبال)، وبين قوله:
(وقفت فيها ناقتي وكأنّها فدن)!
ما أشدّ الربط بين تينك الجملتين، وما أشدّ البتل والقلق بين هاتين؟!
وهب أنّ (ابن هانئ) أخذ تشبيه الناقة بالفدن- أي: القصر- من (العبسي)، ولكن من أين أخذ حسن السبك وانتخاب تلك الألفاظ التي- على ما فيها من
[١] - عنترة بن شدّاد بن عمرو بن معاوية بن قُراد العبسي، أشهر فرسان العرب في الجاهلية ومن شعراء الطبقة الأُولى. من أهل نجد، أُمّه حبشية اسمها: زبيبة، سرى إليه السواد منها، وكان من أحسن العرب شيمة ومن أعزّهم نفساً موصوفاً بالحلم على شدّة بطشه، وفي شعره رقّة وعذوبة، وكان مغرماً بابنة عمّه عبلة، فقلّ أن تخلو له قصيدة من ذكرها. اجتمع في شبابه بإمرئ القيس الشاعر، وشهد حرب داحس والغبراء، وعاش طويلًا، وقتله الأسد الرهيص أو جبّار بن عمرو الطائي، نحو سنة ٢٢ ق. ه. ينسب إليه ديوان شعر، أكثر ما فيه مصنوع.
( الأغاني ٨: ٢٣٥- ٢٤٣، خزانة الأدب ١: ١٣٨- ١٤٠، الأعلام الزركلي ٥: ٩١- ٩٢).
[٢] - ديوان عنترة ١٢.
والفدن: القصر.( صحاح اللغة ٦: ٢١٧٦).
والمتلوّم: المتمكّث والمنتظر.( المصدر السابق ٥: ٢٠٣٤).