الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٣٨ - الكلام في العصمة
الجزئية والوقائع الشخصية على طبق أحكامها الكلّية لا بمعناها المصطلح- فقد اتّفقت طبق ضرورة العقول قاطبة المسلمين بجميع عناصرها وشعوبها- عدا ما ينسب إلى بعض الخوارج عن ربقة الإسلام- على وجوبه ولزومه في الأنبياء وشعبتهم، فلا يصدر الخطأ منهم في شيء من تلك الأُمور لا عمداً ولا سهواً من حين قيامهم بتلك الوظيفة إلى منتهى أعمارهم الشريفة[١].
وأمّا العصمة في أفعالهم وأحوالهم في ذات أنفسهم فقد اتّفق أصحّاء النظر على لزومها مع الالتفات[٢].
فالمكلّل بتاج تلك الكرامة الإلهية يمتنع- فيما نرى- أن يقع منه خلاف الواقع عمداً حتّى في عمل نفسه وما بينه وبين ربّه، ولا يخرج عن دائرة التكليف وخطّة الآداب والمكارم من حين صباه إلى آخر عمره.
وأمّا وقوع خلاف الواقع منه أو غير الصحيح سهواً فالترجيح والأغلبية على عدم وقوعه أيضاً.
وقد تصاغر في المعرفة بعض أكابر المحدّثين، حيث جوّز السهو على المعصوم في فعل ما يخصّه بنفسه من أعماله وتكاليفه[٣]، وتبعه على ذلك
[١] - انظر: الأربعين في أُصول الدين ٢: ١١٥ و ١١٦، مطالع الأنظار ٤٢٨، شرح المقاصد ٤: ٥٠- ٥١، شرح الباب الحادي عشر ٣٧.
[٢] - راجع: تقريب المعارف ١٠٣، تنزيه الأنبياء والأئمّة ٣٤، الذخيرة ٣٣٧- ٣٣٨، الاقتصاد للطوسي ٢٦٠، كشف المراد ٣٤٩، نهج الحقّ ١٤٢، شرح الباب الحادي عشر ٣٧.
[٣] - المقصود به هو الشيخ الصدوق قدس سره في الفقيه ١: ٣٥٩- ٣٦٠. وممّن حكي عنه ذلك الشيخ المفيد قدس سره فيرسالة عدم سهو النبي ١٨.
مع العلم بأنّه قد سبق الصدوق إلى ذلك شيخه محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، كما حكاه عنه الشيخ الصدوق نفسه في الفقيه ١: ٣٦٠.
والمرجع في هذه المسألة رواية ذي اليدين. ولا بأس هنا بنقل كلام الشيخ الطوسي قدس سره، حيث قال:
( روى أبو هريرة، قال: صلّى بنا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصّرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فأقبل على القوم، فقال:« أصدق ذو اليدين»؟ فقالوا: نعم. فأتمّ ما بقي من صلاته وسجد وهو جالس سجدتين بعد التسليم.
وقد طعن في هذا الخبر بأن قيل: لا أصل له؛ لأنّ أبا هريرة أسلم بعد أن مات ذو اليدين بسنين، فإنّ ذا اليدين قتل يوم بدر، وذلك بعد الهجرة بسنتين، وأسلم أبو هريرة بعد الهجرة بسبع سنين.
فقال من احتجّ بهذا الحديث: إنّ هذا غلط؛ لأنّ الذي قتل يوم بدر هو ذو الشمالين، واسمه: عبد بن عمرو بن فضلة الخزاعي، وذو اليدين عاش بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ومات في أيّام معاوية. قال: وقبره بذي خُشُب، واسمه: الخرباق.
قالوا: والدليل عليه أنّ عمران بن الحصين روى هذا الحديث، وقال فيه: فقام الخرباق، فقال: أقصّرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟
وقد قيل في الجواب عن هذا الاعتراض: أنّه روى الأوزاعي، فقال: فقام ذو الشمالين، فقال: أقصّرت الصلاة أم نسيت؟ وذو الشمالين قتل يوم بدر لا محالة.
وروي في هذا الخبر: أنّ ذا اليدين قال: أقصّرت الصلاة أم نسيت يا رسول اللَّه؟ فقال:« كلّ ذلك لم يكن».
وروي: أنّه قال:« إنّما سهوت لأُبيّن لكم».
وروي: أنّه قال:« لم أنس، ولم تقصر الصلاة».
وأمّا أصحابنا فقد رووا: أنّ ذا اليدين كان يقال له: ذو الشمالين. روي ذلك عن سعيد الأعرج، عن أبي عبداللَّه عليه السلام في هذه القصّة).( الخلاف ١: ٤٠٤- ٤٠٦).
وقال العلّامة المجلسي ما نصّه:
( لمّا أوردنا بعض الأخبار الدالّة على عصمة الأنبياء المتضمّنة لتأويل ما يوهم صدور الذنب والخطأ عنهم، فلنتكلّم عليها جملة؛ إذ تفصيل القول في ذلك يوجب الإطناب ويكثر حجم الكتاب:
اعلم أنّ الاختلاف الواقع في هذا الباب بين علماء الفريقين يرجع إلى أقسام أربعة:
أحدها: ما يقع في باب العقائد.
وثانيها: ما يقع في التبليغ. وثالثها: ما يقع في الأحكام والفتيا.
ورابعها: في أفعالهم وسيرهم عليهم السلام.
وأمّا الكفر والضلال في الاعتقاد فقد أجمعت الأُمّة على عصمتهم عنهما قبل النبوّة وبعدها، غير أنّ الأزراقة من الخوارج جوّزوا عليهم الذنب، وكلّ ذنب عندهم كفرٌ، فلزمهم تجويز الكفر عليهم، بل يحكى عنهم أنّهم قالوا: يجوز أن يبعث اللَّه نبيّاً علم أنّه يكفر بعد نبوّته!
وأمّا النوع الثاني- وهو ما يتعلّق بالتبليغ- فقد اتّفقت الأُمّة بل جميع أرباب الملل والشرائع على وجوب عصمتهم عن الكذب والتحريف فيما يتعلّق بالتبليغ عمداً وسهواً، إلّاالقاضي أبو بكر فإنّه جوّز ما كان من ذلك على سبيل النسيان وفلتات اللسان.
وأمّا النوع الثالث- وهو ما يتعلّق بالفتيا- فأجمعوا على أنّه لا يجوز خطؤهم فيه عمداً وسهواً، إلّاشرذمة قليلة من العامّة.
وأمّا النوع الرابع- وهو الذي يقع في أفعالهم- فقد اختلفوا فيه على خمسة أقوال:
الأوّل: مذهب أصحابنا الإماميّة.
وهو: أنّه لا يصدر عنهم الذنب، لا صغيره ولا كبيره، ولا عمداً ولا نسياناً، ولا لخطأ في التأويل، ولا للإسهاء من اللَّه سبحانه.
ولم يخالف فيه إلّاالصدوق، وشيخه محمّد بن الحسن بن الوليد رحمهما الله، فإنّهما جوّزا الإسهاء لا السهو الذي يكون من الشيطان، وكذا القول في الأئمّة الطاهرين عليهم السلام.
الثاني: إنّه لا يجوز عليهم الكبائر، ويجوز عليهم الصغائر، إلّاالصغائر الخسيسة المنفّرة، كسرقة حبّة أو لقمة، وكلّ ما ينسب فاعله إلى الدناءة والضعة.
وهذا قول أكثر المعتزلة.
الثالث: إنّه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا كبيرة على جهة العمد، لكن يجوز على جهة التأويل أو السهو.
وهو قول أبي علي الجبّائي.
الرابع: إنّه لا يقع منهم الذنب إلّاعلى جهة السهو والخطأ، لكنّهم مأخوذون بما يقع منهم سهواً وإن كان موضوعاً عن أُممهم؛ لقوّة معرفتهم، وعلوّ رتبتهم، وكثرة دلائلهم، وأنّهم يقدرون من التحفّظ على ما لا يقدر عليه غيرهم.
وهو قول النظّام، وجعفر بن مبشّر، ومن تبعهما.
الخامس: إنّه لا يجوز عليهم الكبائر والصغائر عمداً وسهواً وخطأً. وهو قول الحشويّة، وكثير من أصحاب الحديث من العامّة.
ثمّ اختلفوا في وقت العصمة على ثلاثة أقوال:
الأوّل: إنّه من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا اللَّه سبحانه.
وهو مذهب أصحابنا الإماميّة.
الثاني: إنّه من حين بلوغهم، ولا يجوز عليهم الكفر والكبيرة قبل النبوّة.
وهو مذهب كثير من المعتزلة.
الثالث: إنّه وقت النبوّة، وأمّا قبله فيجوز صدور المعصية عنهم.
وهو قول أكثر الأشاعرة ومنهم الفخر الرازي. وبه قال أبو هذيل، وأبو علي الجبّائي من المعتزلة).( بحار الأنوار ١١: ٨٩- ٩١).