الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٨ - الأمر الثالث في أن إيجاد الخلق لغاية وحكمة
وعلى أيٍّ، فلا أحسبك تريد أن تشقّ عليّ في الكرّة والإعادة لما مضى على أتقن قواعده ومبانيه.
إذن فضع إلى جنب ذينك الأساسين القريبين أساساً ثالثاً أعلى وأجلى وأتقن وأمكن، ألا وهو: (أنّ للعالم صانعاً حكيماً).
ونعني من نعته بكونه حكيماً: أنّ كلّ أفعاله وإبداعاته على نواميس الحكمة وأُصول الرحمة وقوانين العدل وموازين الصحّة والاستقامة ومكائيل الإحسان والفضيلة، وأنّه (جلّت حكمته) ما خلق الخلق عبثاً ولا جزافاً، وما أوجدهم ليجهدهم ظلماً وإجحافاً، ما كوّنهم للشقاء والتعاسة والعناء والمهانة، ما خلقهم ليريهم نعيمه ويملأ بهم جحيمه، ويعمل فيهم قوّة الغضب ويسلّط عليهم سطوة الرهب!
لا، ثمّ كلّا، تقدّس وتعالى عن كلّ ذلك، فإنّ البراهين الساطعة والآيات النيّرة عرّفتنا أنّه منزّه عن كلّ قبيح.
إنّ ما تحكم ضرورة العقول بقبحه تحكم باستحالته عليه حسبما استبان لك في مباحث التوحيد من الجزء الأوّل من أنّ وجوب وجوده مستلزم لكماله وعدم تطرّق النقص إليه بوجه من الوجوه[١].
وأيّ قبيح أقبح عند أرباب العقول من الظلم أو العبث أو الإيذاء بغير عوض أو جزاء؟!
وعليه فلا محيص من أن يكون الإيجاد والخلق لمنفعة وفائدة ما، وتلك الفائدة ليست إليه عائدة؛ لغناه بذاته عن كلّ شيء، واحتياج كلّ شيء إليه،
[١] - تقدّم ذلك في ج ١ ص ٢٦٣ وما بعدها و ٢٧٤.