الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣٢ - الأمر الثالث اللغة العربية ودورها
انظر كيف اضمحلت أُسسها وزالت أُصولها وتلاشت أوائلها بالترجمة والتبديل والتغيير والتحويل من العبرانية إلى السريانية إلى اليونانية وهكذا حتّى صارت أُلعوبة للبشر وكاد أن لا يبقى من حقائقها الإلهية عين ولا أثر، وصارت كلّ أُمّة تصوّرها على ما تريد وتطبعها على ما تشاء وتنشرها على ما تشتهي، فتوراة اليهود غير توراة النصارى، والأناجيل قبل قرون غير أناجيل هذه العصور.
ولو أردنا شرح ذاك على التفصيل لطال بنا الكلام واتّسعت معنا الخطّة، ولكن هو- على إجماله- ممّا لا ريب فيه، ولا ينكره إلّامكابر أو قاصر.
أمّا هذا القرآن فقد وعد اللَّه بحفظه وكلائته ونصره، و: «اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ»[١] قد وفى بما وعد وصدق بما ضمن، حفظ اللَّه هذا الدين بحفظ القرآن الكريم، وحفظ القرآن الكريم بحفظ اللغة العربية.
وأنت- إذا أمعنت النظر والسبر في تأريخ اللغات- لا تجد لغة دامت حياتها وطال عمرها على أُصولها الأُولى كطول حياة هذه اللغة.
لا تجد لغة من اللغات دامت موادّها وهيئاتها وتراكيبها أكثر من عشرين قرناً، لا يزال في كلّ عصر وبرهة ملايين من البشر معنيين بها باحثين فيها مرتاحين إليها قائمين بنشر المؤلّفات الطائلة والمعاجم الحافلة فيها، فلم تعدم أنصاراً وأعواناً، حتّى من الأُمم البعيدة أشدّ البعد عنها المنفصلة بكلّ الفواصل منها من: الديالمة، والأتراك، والسلجوقية، والغزنوية، والسامانية، والمغولية، وغير هؤلاء من عناصر شتّى وشعوب متباعدة. كلّ هؤلاء الدول والملوك ما عتموا أن عادوا من أكبر المساعدين والمجاهدين في توطيد دعائم العربية ومدّ
[١] - سورة آل عمران ٣: ٩، وسورة الرعد ١٣: ٣١.