الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٩ - الأمر الثاني في شرف الإنسان ومقامه في الكون، وحاجته إلى التربية، وجهل العقل البشري بالمستقبل
ألاعيبك بها، وحكمت عليك ولا كحكمك عليها، وما عتمت أن ألقتك في مهبّ حوادثها وتصاريف صروفها، ولا كالريشة في مهبّ العواصف والذرّة في زعزعة الريح القاصف، تتدافعك من صحّة إلى سقم، ومن نتاج إلى عُقم، ومن فرح إلى حزن، ومن يسر إلى عسر، ومن شبيبة إلى مشيب، ومن قوّة إلى ضعف، ومن جمع إلى شتات، ومن حياة إلى ممات، حكم القاهر الجائر والحاكم الظالم والقاسي المستبدّ، لا بل خبط عشواء ووطأة عجماء، لا تعلم حتّى ترحم، ولا تسمع حتّى تنفع!
هنالك- أيّها الإنسان- تهدأ نعرتك[١] وتسكن فورتك، تتطامن إلى أرض الهوان منكسراً ذليلًا!
وبينا أنت متقلّب في غمراتها مستسلم لأمواج تيّارها لا تملك لنفسك دفعاً ولا نفعاً، راجعت وجدانك وناجيت ضميرك وسألت ذاتك: من أين أتيتُ؟ وأين كنتُ؟ وإلى أين سأكون؟ وماذا يُراد بي؟ وماذا يُراد منّي؟
ولكن لا تجد سوى الحيرة أو السكوت منها جواباً، وعندها ترجع إلى تلك الحقيقة التي أنبأناك أن لا محيص لك عنها، فتقول حقّاً: (الإنسان جاهل في علمه، عاجز في قوّته، فقير في غناه).
ولكن على كلّ ذلك، فهل تجد الإنسان وانياً عن كفاحه، ملقياً لسلاحه، باخعاً[٢] تحت أعباء الطبيعة، خاضعاً إلى الاستسلام لها والهدوّ والسكون طوع مشيئتها، مصطبراً لسيطرتها، تصرّفه كيف شاءت وتجري عليه حكمها كما
[١] - النعرة: الكبر، والجهل.( لسان العرب ١٤: ٢٠٠).
[٢] - باخعاً: منهكاً.( تهذيب اللغة ١: ١١٧).