الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٧ - الأمر الثاني في شرف الإنسان ومقامه في الكون، وحاجته إلى التربية، وجهل العقل البشري بالمستقبل
[الأمر الثاني: في شرف الإنسان ومقامه في الكون، وحاجته إلى التربية، وجهل العقل البشري بالمستقبل]
الأمر الثاني: أنّ الإنسان الذي قلنا عنه تلك الكلمة، ونعتنا منه تلك الحقيقة، وقذفنا به في هوّة الخسّة والخمول والجهل والخمود، ولا نظن أنّنا تباعدنا في ذلك عن الإصابة، ولا أخطأنا شاكلة الغرض، ولا طاش سهمنا عن الهدف، ولكن هل يحسن بنا السكوت على تلك الحقيقة وعدم تعديل هاتيك الخطّة بتعريف الإنسان شيئاً من شأنه ومقداراً من حظّه؛ كي نؤدّي له بعض حقّه، ونريه موقع مركزه من هذه العوالم، ومقامه من هذه الأكوان، ونصيبه من الوجود، وكفاءته في كفّة هذه الحياة، فنكون قد ذكرنا خيره وشرّه وبعض ما له وما عليه، فيجدنا واقفين أمامه موقف العدل سائرين معه على محجّة النصف غير باخسين حقّه ولا غامطين[١] قدره، فعساه إذا عرف ما هو وأين هو وما له ممّا هنالك، نعم، عسى الإنسان حين يعرف شأنه في الوجود وعظيم مقامه في الكون أن تدبّ فيه روح النشاط ويتحرّك في تامور[٢] صدره دم الغيرة، فيحافظ على مقامه الكريم ومركزه الوسيط، فلا يندحر عنه رجيماً ويندفع إلى هُوّة الشقاء ذميماً.
الإنسان مهما جهل حقيقته وأعيا عليه معرفة نفسه وفتح كنزه وحلّ رمزه واستكناه جوهرة ذاته، ومهما ضاع عنه سرّ وجوده وضاق ذرعاً بعرفان سريرته، فإنّه لا يجدر به ولا ينبغي له أن يجهل أنّه صفوة الأكوان وخلاصة العوالم وبذرة
[١] - الغمط: الاحتقار والإزراء.( صحاح اللغة ٣: ١١٤٧).
[٢] - التامورة: غلاف القلب.( المصدر المتقدّم ٢: ٦٠١).