الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٤٤ - تسجيل الحجة في الإعجاز على الناس، وطريق ذلك، وذكر نماذج لآيات الإعجاز
وتصوير الكلام للمعاني ينبغي أن يكون على هذا القياس، وفي هذه الجهة تتفاوت طبقات الكلام ودرجاته تفاوتاً أدقّ من الشعر وأخفى من السحر، وتتعالى مقاماته إلى منتهى الدرجات وأسمى المقامات.
كما في تلك الآية، فإنّك إذا صرفت إليها التأمّل وحبست عليها الفكر هوّلت عليك الأمر وصوّرت لك الحال بحيث كأنّك تشاهده عياناً، فترى هذا يسحب بالسلاسل، وذاك يضرب بالمقامع والمعاول، وذاك يصبّ على رأسه الحميم، وذاك يُقاد إلى الجحيم، والصحف تتناشر، والكتب تتطاير، والموازين منصوبة، والعذاب نازل، والحال هائل، والضجّة عظيمة، والناس في شغل شاغل، كلٌّ ينتظر ما يجري عليه ويرتقب أيّ حين يصل البلاء إليه، إلى أمثال ذلك من طلائع الفزع وهول المطلع.
فإنّ مثل هذه الأحوال والأهوال هي التي تذهل المرضعة عن رضيعها، وتقضي لذات الحمل أن تضع حملها، وتعيد الناس من الدهشة حيارى ومن الذهول سكارى، وما هم بسكارى! ومن العجب أنّ لمولانا أمير المؤمنين (علي) (صلوات اللَّه عليه) مقامات حافلة ومقالات طائلة، وكلمات وخطب تفوت حدّ العجب في (النهج) وغيره، وقد أتى فيها (سلام اللَّه عليه) على جميع أهوال يوم القيامة، وصوّر فيها عامّة أحوال تلك الطامّة، من: زفيرها وسعيرها، وأغلالها وسلاسلها، ولهب نيرانها ومقامع خزّانها، وسائر ما يذهل العقول ويصوّر فزع ذلك اليوم المهول، من كلّ غريبة الشكل مذهلة العقل، تذرّ الولدان شيباً وتجري لها القلوب دمعاً صبيباً[١]!
[١] - راجع نهج البلاغة ١٠٨ و ١٤٧ و ١٦١ و ٢٨١.