بحوث في الفقه الزراعي - الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود - الصفحة ٩ - مقدمة التقرير
مقدّمة التقرير
لم يهدأ الفقه الإسلامي يوماً منذ ولادة الإسلام مع النبي و إلى يومنا هذا، على خلاف الكثير من العلوم الدينيّة الأخرى التي شهدت فتوراً حيناً و حماساً حيناً آخر، بل لم يكن لها من وجود أصلًا في بعض الحقبات الزمنية من عمر الإسلام.
كان الفقه الإسلاميّ حيّاً على الدوام، بجميع مدارسه تارةً، و ببعضها تارةً أخرى، و كان الواقع هو الذي يفرض حيويّة الفقه، لقد غدا الفقه واقعيّاً، بل ولد واقعيّاً، لأنّه الاستجابة الطبيعيّة لتداعيات الواقع التي لا تهدأ أبداً طالما هناك بشر تختلف مصالحهم و تتعارض أهدافهم في مناخ مادي يستدعي على الدوام تزاحماً و تعارضاً.
كانت هذه العلاقة التي يترك فيها الفقه الإسلامي بصماته على الواقع، و يترك الواقع نفسه- في المقابل- بصمات جليّة على هذا الفقه، علاقة جدليّة لا تنتهي ما دام الفقه الإسلامي فقهاً واقعياً و هو كذلك في ظروف نشأته و ازدهاره، و هذا ما يتطلّب من الفقه أن لا يغدو فقهاً فرضياً بحتاً، يجافي الواقع أحياناً في فرضيّته هذه، أو يتغافى عنه، محدثاً بذلك قطيعةً بينه و بين الواقع.
هذه النزعة الفرضيّة في الفقه الإسلامي تساهم في عزله عن الواقع، و تهيء الفرصة لفقهٍ آخر ليحلّ بديلًا عنه، لأنّ الواقع لا يعرف الرحمة و لا المجاملات، إنّه تحديات مليئة بالمخاطر، فما لم يخرج الفقه الإسلامي من فرضيته و عزلته و تنظيره المتعالي فلن ينتظره الواقع كثيراً، بل سيستبدل به نظاماً آخر، و هذا ما حصل- مع الأسف- في أكثر من موقع و بلد إسلامي.