تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٤١٤ - سورة المعارج
غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين الف سنة يجمع الله عز و جل الخلائق في مواطن يتفرقون و يكلم بعضهم بعضا و يستغفر بعضهم لبعض أولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا الرؤساء و الاتباع و يلعن بعض أهل المعاصي الذين بدت منهم البغضاء و تعاونوا على الإثم و العدوان في دار الدنيا المستكبرين و المستضعفين يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا و الكفر في هذه الاية البرائة يقول: فيبرأ بعضهم من بعض و نظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان «إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ» و قول إبراهيم خليل الرحمن: «كَفَرْنا بِكُمْ» اى تبرأنا منكم ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فلو ان تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معايشهم، و لتصدعت قلوبهم الا ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدم، ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: «وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ» فيختم الله تبارك و تعالى على أفواههم و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فنشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: «لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ» ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض، فذلك قوله عز و جل: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ» فيستنطقون «لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً» فيقوم الرسل صلوات الله عليهم فيشهدون في هذا الموطن، فذلك قوله تعالى: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» ثم يجتمعون في موطن آخر فيكون فيه مقام محمد صلى الله عليه و آله و هو المقام المحمود، فيثنى على الله تبارك و تعالى بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثنى على الملائكة كلهم فلا يبقى ملك الا اثنى عليه محمد صلى الله عليه و آله ثم يثنى على الرسل بما لم يثن عليهم أحد مثله، ثم يثنى على كل مؤمن و مؤمنة يبدأ بالصديقين ثم الشهداء ثم الصالحين، فيحمده أهل السماوات و أهل الأرض و ذلك قوله عز و جل:
«عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً» فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حق، و ويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ و لا نصيب، ثم يجتمعون في موطن آخر و يدان بعضهم من بعض؛ و هذا كله قبل الحساب فاذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله