تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٣٩٨ - سورة القلم
عابدا زاهدا منهمكا في العبادة[١] و ليس له علم و لا حكم و كان روبيل صاحب غنم يرعاها و يتقوت منها، و كان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه و يأكل من كسبه، و كان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل و حكمته و قديم صحبته، فلما رأى أن قومه لا يجيبونه و لا يؤمنون ضجر و عرف من نفسه قلة الصبر، فشكا ذلك الى ربه و كان فيما شكا أن قال: يا رب انك بعثتني الى قومي و لي ثلاثون سنة فلبثت فيهم ادعوهم الى الايمان بك و التصديق برسالتي و أخوفهم عذابك و نقمتك ثلاثا و ثلاثين سنة فكذبوني، و لم يؤمنوا بى و جحدوا نبوتي و استخفوا برسالتي، و قد توعدوني و خفت أن يقتلوني، فأنزل عليهم عذابك فإنهم قوم لا يؤمنون. فأوحى الله الى يونس:
ان فيهم الحمل و الجنين و الطفل و الشيخ الكبير و المرأة الضعيفة و المستضعف المهين و انا الحكم العدل، سبقت رحمتي غضبى، لا اعذب الصغار بذنوب الكبار من قومك، و هم يا يونس عبادي و خلقي و بريتي في بلادي و في عيلتي، أحب أن أتأناهم[٢] و ارفق بهم و انتظر توبتهم، و انما بعثتك الى قومك لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم سخاء الرحمة الماسة منهم و تتأناهم برأفة النبوة فاصبر معهم بأحلام الرسالة و تكون لهم كهيئة الطبيب المداوى العالم بمداواة الدواء، فخرجت بهم و لم تستعمل قلوبهم بالرفق، و لم تسسهم بسياسة المرسلين، ثم سألتنى مع سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك و عبدي نوح كان أصبر منك على قومه و أحسن صحبة و أشد تأنيا في الصبر عندي، و أبلغ في العذر، فغضبت له حين غضب لي و أجبته حين دعاني؛ فقال يونس: يا رب انما غضبت عليهم فيك و انما دعوت عليهم حين عصوك فو عزتك لا أنعطف عليهم برأفة أبدا، و لا انظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم و تكذيبهم إياي، و جحدهم نبوتي، فأنزل عليهم عذابك فإنهم لا يؤمنون أبدا فقال الله: يا يونس انهم مأة الف أو يزيدون من خلقي يعمرون بلادي و يلدون عبادي و محبتي أن أتأناهم للذي سبق من علمي فيهم و فيك، و تقديري و تدبيري غير علمك و تقديرك، و أنت المرسل و انا الرب الحكيم، و علمي
[١] انهمك في الأمر: جد فيه ولج.