تفسير نور الثقلين - العروسي الحويزي، الشيخ عبد علي - الصفحة ٥٠٣ - سورة النازعات
و لم يكن يومئذ خلق غيرهما و الماء يومئذ عذب فرات، فلما أراد أن يخلق الأرض أمر الرياح فضربت الماء حتى صار موجا ثم ازبد فصار زبدا واحدا. فجمعه في موضع البيت ثم جعله جبلا من زبد، ثم دحى الأرض من تحته فقال الله تعالى: «إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً» ثم مكث الرب تبارك و تعالى ما شاء فلما أراد أن يخلق السماء امر الرياح فضربت البحور حتى أزبدتها، فخرج من ذلك الموج و الزبد من وسطه دخان من غير نار فخلق منه السماء و جعل فيها البروج و النجوم و منازل الشمس و القمر، و أجراها في الفلك و كانت السماء خضراء على لون الماء الأخضر، و كانت الأرض غبراء على لون الماء العذب
و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
٣٣- حدثني أبى عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان الأحول عن سلام بن المستنير عن ثوير بن أبى فاختة عن على بن الحسين عليهما السلام و نقل حديثا طويلا يقول فيه عليه السلام: و تبدل الأرض غير الأرض، يعنى بأرض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها الجبال و لا نبات كما دحاها أول مرة.
٣٤- في نهج البلاغة كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة، و لجج بحار زاخرة؛ يلتطم أو أذى أمواجها، و تصطفق متقاذفات اثباجها، و ترغو زبدا كالفحول عند هياجها، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها، و سكن هيج ارتمائه إذ وطأته بكلكلها، و ذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا. و في حكمة الذي منقادا أسيرا، و سكنت الأرض مدحوة في لجة تياره، و ردت من نخوة بأوه و اعتلائه، و شموخ أنفه و سمو غلوائه، و كعمته على كظة جريئة فهمد بعد نزقاته و لبد بعد زيفان و ثباته[١].
[١] كبس الأرض: اى أدخلها في الماء بقوة و اعتماد شديد. و المور: مصدر مار: اى ذهب و جاء. قوله عليه السلام« مستفحلة» اى هائجة هيجان الفحول. و استفحل الأمر.
تفاقم و اشتد. زخر الماء امتد جدا و ارتفع. و الاواذى جمع آذى و هو الموج. و تصطفق:
يضرب بعضها بعضا. و الاثباج هاهنا أعالى الأمواج و أصل القبج: ما بين الكاهل الى الظهر فنقل الى هذا الموضع استعارة و الرغاء: صوت البعير و غيره من ذوات الخف. و جماح-- الماء: صعوده و غليانه واصله من جمح الفرس: ركب رأسه لا يثنيه شيء، يقال رجل جموح لمن يركب هو له فلا يمكن رده. و هيج الماء: اضطرابه. و ارتمائه: تلاطمه. و كلكلها:
صدرها. و المستخذي، الخاضع و تمعكت: تمرغت. و الكواهل جمع كاهل و هو ما بين الكتفين و الاصطخاب: افتعال من الصخب و هو الصياح و الجلبة. و الساجي: الساكن. و حكمة- محركة-: ما أحاط من اللجام بحنك الدابة. قوله عليه السلام« مدحوة» اى مبسوطة. و التيار: أعظم الموج. و لجته: أعمقه. و البأو: الكبر و الفخر. و الشموخ:
العلو. قوله عليه السلام« غلوائه» اى غلوه و تجاوزه الحد، و كعمته اى شدت فمه لما هاج، من الكعام و هو شيء يجعل في فم البعير. و الكظة: الجهد و الثقل الذي يعترى الإنسان عند الامتلاء من الطعام. و همد بمعنى سكن. و النزقة: الخفة و الطيش. و لبد الشيء بالأرض:
لصق بها. و الزيفان: شدة هبوب الريح.