صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٦٢ - فصل
فلا بدّ من الحمل على ذلك، جمعاً بينها و بين الروايات المتقدّمة الدالّة على نفي الرؤية عن الإمام و هذا بحمد الله ممّا ليس بسرّ.
ثمّ إنّ في المقام صعوبات غامضة لا يصحّ إهمالها:
إحداها: أنّ هناك روايات تدلّ على أنّ غير الإمام أيضاً تحدّثه الملائكة و قد جعلناه من علائم الإمامة؟ فمن المحدّثين من غير الأئمة فاطمة الصدّيقة سلام الله عليها[١]، و منهم مريم بنت عمران، و منهم أم إسحاق زوجة الخليل (ع) كما مرّ، و منهم سلمان الفارسي رضي الله عنه ففي رواية زرارة عن الباقر (ع)[٢]: كان علي محدثا، و كان سلمان محدّثاً.
و في موثّقة أبي بصير عن الصادق (ع): كان و الله عليّ محدّثاً و سلمان محدّثاً قلت: اشرح لي؟ قال: يبعث الله إليه ملكاً ينقر في أذنيه يقول: كيت و كيت.
و في رواية ابن الشيخ الطوسي عنه ... قال يأتيه ملك فينكت في قلبه كت و كيت[٣].
و في رواية الحسن قال: قلت الصادق (ع): أكان سلمان محدّثاً؟ قال: نعم: قلت: من يحدّثه؟ قال: ملك كريم. قال فإذا كان سلمان كذا فصاحبه أيّ شيء هو؟ قال أقبل على شأنك، لكن في رواية أحمد بن حمّاد عنه (ع) أنّه قال في الخبر الذي فيه روي أنّ سلمان كان محدّثاً: أنّه كان محدّثاً عن إمامه لا عن ربّه؛ لأنّه لا يحدّث عن الله عزّ و جلّ إلّا الحجّة.
و في مرسلة الصدوق[٤] ... و قيل من كان يحدّثه؟ فقال- الصادق (ع)-: رسول الله و أمير المؤمنين ... و إنّما صار محدّثاً دون غيره ممّن كانا يحدّثانه؛ لأنّهما كانا يحدّثانه بما لا يحتمله غيره.
قلت: لم ندّع نحن أنّ التحدّث سبب تام للإمامة ليكون كلّ محدّث إماماً، بل قلنا: إنّ الإمام يحدّثه الملك. فكلّ إمام محدّث دون العكس إذ ليس التحدّث على نحو واحد و شكل فارد، فالإمام يحدّثه الملك بأشياء لا يحدّثها مع غيره كما هو واضح على أن مثل هذه الروايات يشكل الاعتماد عليها.
هذا، مع أنّ للإمام مزايا أخر تميّزه عن غيره كتأييده بروح القدس، و وجوب طاعته على الناس، و قيامه مقام الرسول (ص) و إنزال الملائكة عليه ليلة القدر على وجه ذكرناه في بعض كتبناه باللغة الفارسية في تفسير سورة القدر. و عرض الحوادث الواقعة في العالم عليه عرضا
[١] - لاحظ رواياته في المجلد السابع من البحار في باب أنّ الأئمة محدّثون مفهمون و أصول الكافي ١/ ٢٤٠.
[٢] - لاحظ الروايات في رجال الكشي في ترجمة سلمان رضي الله عنه.
[٣] - البحار ٢٢/ ٣٢٧، و بصائر الدرجات/ ٣٢٢، المطبوعتان حديثاً.
[٤] - البحار ٢٢/ ٣٣١.