صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١١٩ - المبحث الثالث عشر في تعبده قبل رسالته
عن البشر في وقت ما، بل في كلّ زمان شريعة يجب على الناس اعتناقها و امتثالها.
و قبل الإسلام كان الشريعة الرائجة الإلهية هي شريعة عيسى بن مريم (ع) في غير بني إسماعيل، و فيهم شريعة إبراهيم الخليل (ع) على ما يظهر من بعض الروايات المتقدّمة، و لا يعقل تخصيص النبيّ الأكرم من التكليف، بل أمر التكليف في حقّ الأنبياء (ع) أشدّ.
و قد حقّقنا فيما مضى أنّ مقتضى الأدلة عصمة النبيّ الأكرم و طهارته من الرجس من أوّل تمييزه، و كلّ ذلك دليل على أنّه كان مكلّفاً قبل بعثته، بل من ابتداء رشده و تمييزه، فإنّه لا بدّ أن يكون مؤمناً من أوّل الحال و أن لا يتّصف بالكفر في لحظة كما قرّرناه في ذيل قوله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[١]، فلاحظ.
و في رواية زرارة قال: سمعت أبا جعفر و أبا عبد الله من بعده (ع) يقولان: حجّ رسول الله عشرين حجّة مستسرة، منها عشر حجّج أو سبعة- الوهم من الراوي- قبل نبوّته.
و الروايات في حجّة (ص) كثيرة فراجع الجزء الثامن من الوسائل[٢] المطبوعة حديثاً، و في البحار[٣] بعد قولهما (عليهماالسلام): قل النبوّة: و قد كان صلّى قبل ذلك و هو ابن أربع سنين، و هو مع أبي طالب، انتهى.
فما عن سيّدنا المرتضى- رضوان الله عليه- و الغزالي و غيرهما من التوقّف في ذلك، و ما عن الآخرين من عدم تعبّده قبل البعثة لا مجال له أصلًا.
نعم، الذي يستصعب به المقام هو قوله تعالى: (وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا)[٤] و لأجله ذهب بعض أهل السنة! إلى كفره (ص) قبل البعثة[٥]، و بعضهم إلى عدم تكليفه بشيء قبلها لكن من يلتزم بالقول الأوّل لم يكن مؤمناً بالنبيّ الأكرم واقعاً، فإنّ المسلم لا يتفوّه بهذه الترهات، و من يلتزم بالثاني فهو غافل عن مقامه الرفيع.
[١] - البقرة ٢/ ١٢٤.
[٢] - وسائل الشيعة ٨/ ٨٧- ٩٦.
[٣] - البحار ١٥/ ٣٦١.
[٤] - الشورى ٤٢/ ٥٢.
[٥] - قال الرازي في تفسيره ذيل قوله تعالى: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فأعلم أنّ بعض الناس ذهب إلى أنّه( ص) كان كافراً في أوّل الدمر ثمّ هذاه الله و جعله نبيّاً، قال الكلبي:( و وجدك ضالًّا فهدى) يعني كافراً في قوم ضلّال فهداك للتوحيد: و قال السدي: كان على دين قومه أربعين سنة: و قال مجاهد:( و وجدك ضالا) أي عن الهدى لدينه. أقول: هكذا يعرفون نبي الإسلام سنّتهم.