صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٩٠ - الجهة الأولى في الإرادة
المناسب لعظمة الإمامة و علو رتبتها هو العصمة، و يعبّر عن هذا القول في عرف الفقهاء ب-: مناسبة الحكم و الموضوع، و ليس كثير بعد فيه فلاحظ.
و أمّا عصمته (ص) من جميع المعاصي من أوّل عمره إلى آخر حياته الكريمة عمداً و سهواً فلقوله تعالى: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[١].
فإنّه يدل على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، و يثبت عصمته (ص) بطريق أولى إن لم نقل بدخوله (ص) في هذا الخطاب و إلّا فبالمدلول المطابقي. و هذا هو الأقوى فإنّ الخمسة كلهم من أهل البيت الذي اجتمعوا فيه.
و تحقيق المقام يقتضي البحث عن جهات:
الجهة الأولى: في الإرادة
أنّ الإرادة تتشعّب إلى تكوينيّة و تشريعيّة، و الأولى هي التي يمتنع تخلّف المراد عنها، ضرورة استحالة الانفكاك بين العلّة و المعلول، و أمّا الثانية فهي لا تلازم المراد بداهة، ألا ترى أنّ الله تعالى طلب الإطاعة من الكفّار و الفسّاق مع عدم وقوعها خارجاً، و قد مرّ هذا البحث في الجزء الثاني بما لا مزيد عليه.
نعم لأحد أن يسأل عن الدليل على أنّ الإرادة في المقام تكوينيّة تستوجب المراد- و هو العصمة- فلعلّها تشريعيّة؟ قلت: الإرادة في هذه الآية تكوينيّة قطعاً لتعلّقها بأفعال نفسه تعالى، لا بأفعال غيره، و بالضرورة كلّ إرادة تعلّقت بأفعال المريد نفسه فهي تكوينيّة لا تشريعيّة.
فلو قال الله تعالى: إنّما يريد الله منكم أن تذهبوا الرجس عنكم؛ لكانت الإرادة تشريعية.
و أمّا الآن فهي تكوينيّة لا محالة[٢]. و هذا واضح جداً، و عليه فلا يعقل تخلّف ذهاب الرجس عنها بالضرورة، قال الله تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[٣].
أمّا ما تفوّه به بعض سفهاء الدهلي، و بعض جهلاء بغداد[٤] من أنّ وقوع مراد الله غير لازم
[١] - الأحزاب ٣٣/ ٣٣.
[٢] - و تدلّ عليه أيضاً كلمة« إنّما» فإنّ الله تعالى أراد ذهاب الرجس و التطهير من جميع المكلّفين و لا وجه لاختصاص الإرادة المذكورة بأهل البيت الخمسة، بل الإنصاف أنّ نفس كلمة« يريد» ظاهرة في الإرادة التكوينيّة المستتبعة لحصول المراد؛ لأنّها معناها دون معنى الإرادة التشريعية الذي هو الطلب. و قد حقّقنا في الجزء الأوّل أنّ الطلب غير الإرادة مفهوماً و مصداقاً، فلاحظ.
[٣] - ليس ٣٦/ ٨٢.
[٤] - لاحظ مختصراً التحفة الاثني عشرية للآلوسي البغدادي/ ١٥٢. و التحفة لعبد العزيز الدهلوي.