صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٩ - المبحث العاشر في عصمة النبي الخاتم(ص)
لا يقال: هذا التقريب إنّما يصحّ إذا كانت لإبراهيم ذريّة موجودة حين السؤال، و من الجائز عدم وجودها بعد، فهو سأل الإمامة لذريّته الآتية بلا التفات إلى تلك الحالات الثلاث.
فإنّا نقول: العاقل لا يطلب شيئاً جزميّاً منجزّاً للمعدوم و هذا واضح.
فإن قلت: نعم، الذريّة كانت معدومة لكنّها معلوم وجودها لإبراهيم (ع) فهو إنّما سأل الإمامة لها لعلمه بوجودها فيما بعد.
قلت: علمه بذلك ممنوع؛ و الدليل عليه قوله تعالى: وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ* إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ* قالَ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ[١]؟ و لو كان له علم به لم يتعجّب من البشارة المذكورة، على أنّ نفس سؤاله (ع) أعني قوله: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي ظاهر في وجود ذريّته حين السؤال.
ثمّ أعلم أنّ الدليل لا يشمل جميع الأنبياء، بل يخصّ الأئمة وحدهم، سواء كان الإمام نبيّاً أيضاً كإبراهيم الخليل نفسه، و نبيّنا الخاتم (ص) و غيرها أم لم يكن كالأوصياء من آل محمد (ص) فإنّ المراد بالعهد هو عهد الإمامة التي أعطاها الله لخليله بعد إتمامه الكلمات، و لا يمكن أن يراد بالإمامة النبوّة و الرسالة؛ فإنّها أعطيت له في كبر السن و بعد تولّد أولاده (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ)[٢] و من المقطوع أنّ إبراهيم (ع) كان قبل وجود ذريّته و كبر سنّه نبيّاً مرسلًا، و هذا واضح. و الآية الكريمة أيضاً تدلّ على المغايرة؛ فإنّ قوله: (إِماماً)، مفعول ثان للفظة الجاعل، فهي بمعنى الاستقبال، فمعنى الآية إنّي سأجعلك إماماً بعد ذلك، و المفروض أنّه كان نبيّاً حين هذا الخطاب؛ إذ لا يخاطب الله أصلًا أحداً بعينه من البشر غير الرسل و النبيّين (عليهم السلام)، فافهم و استقم.
و على ضوء ذلك ينقدح أفضليّة مقام الإمامة من النبوّة و الرسالة فإنّها أعطاها الله لخليله بعد كونه نبيّاً رسولًا، بل في الروايات أنّها بعد الخلّة أيضاً.
لكنّ القدر المتيقن من دلالة الآية الكريمة هو اشتراط العدالة في الإمام من أوّل عمره إلى آخره؛ إذ العدالة تكفي لأن يصدق عليه أنّه غير ظالم؛ و لذا لا يصدق على الأخيار و أفاضل العلماء الأبرار أنّهم ظالمون صدقاً عرفيّاً و كلام الله أيضاً منزّل على فهمهم، إلّا أن يقال إنّ
[١] - الحجر ١٥/ ٥١- ٥٤.
[٢] - إبراهيم ١٤/ ٣٩.