صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٨٨ - المبحث العاشر في عصمة النبي الخاتم(ص)
التسديد في بيان الشرعيات ليبلغها إلى الناس على ماهي عليه.
فهذان الدليلان ينفيان مطلق السهو و النسيان عن النبيّ الأعظم (ص) بل الثاني يجري في حقّ الأئمة (عليهم السلام) أيضاً، فلا يتطرّق إلى النبيّ و أوصيائه احتمال السهو و لو نادراً.
و أمّا عصمته من الظلم من أوّل عمره إلى آخره فهي ثابتة بقوله تعالى مخاطباً لإبراهيم الخليل (ع): (قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[١].
بيان ذلك: أنّ ذرية إبراهيم (ع) المسؤولة لهم الإمامة إمّا لم يتّصفوا بالظلم من أوّل عمرهم إلى حين السؤال، أو اتّصفوا به لكنّهم رجعوا عنه بعد ذلك و تابوا فأصلح حالهم، أو لم يرجعوا عن ظلمهم و كانوا حين السؤال أيضاً ظالمين، و هذه ثلاثة احتمالات.
لكنّ الاحتمال الأخير باطل قطعاً؛ لأنّ مثل إبراهيم الخليل (ع) لا يسأل الله عن إعطاء مرتبة الإمامة للمتلبّس بالظلم فعلًا[٢] و هو يعلم أنّها فوق النبوّة و الرسالة، و أنّه ما أوتي إلّا عبد نبوّته و رسالته و بعد ابتلائه بكلمات أتّمهن، و هذا فليكن قطعيّاً مفروغاً عنه. و عليه فالذريّة المذكورة كانت غير ظالمة حين السؤال، بل صالحة سواء كان صلاحهم من أوّل أمرهم أو بعده قبل السؤال، و قوله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)[٣] ينفي الإمامة عمّن تلبس بالظلم و لو تاب عنه و صلح حين السؤال؛ إذ لا شكّ أنّه ردّ على سؤال الخليل و عدم قبوله بحدّه، بل هو تخصيص بغير الظالم، و قد عرفت أنّ الظالم حين السؤال لم يكن مراداً لإبراهيم (ع) و لا داخلًا في سؤاله حتّى يتوجّه الردّ إليه، فلا محالة ينحصر الردّ بالظالم قبل السؤال و إن كان عادلًا حينه، فتخصّ الإمامة بمن لم يتلبّس بالظلم من أوّل عمره أصلًا[٤].
[١] - البقرة ٢/ ١٢٤.
[٢] - و لعلّ هذا هو السرّ في تعبيره: و من ذرّيتي عوض أن يقول( ع) و ذرّيتي.
[٣] - البقرة ٢/ ١٢٤.
[٤] - و هذا التقريب أجنبي عمّا ذكره جمع من أصحابنا الأصوليين من وضع المشتق للأعم من المتلبّس. و ممّا أفاده المحقّق الهروي في« كفاية الأصول» و تبعه جمع من الأكابر منهم سيدنا الأستاذ العبقري في مجلس درسه- خارج الأصول- فإنّ الأوّل غلط، و الثاني خطابي محض فلاحظ، و تفصيل المقال في حواشينا على« كفاية الأصول».