صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٧١ - ١ - في التوحيد
فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ[١].
و يذكر أيضاً: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ* لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[٢].
و أيضاً: وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ[٣].
إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على اتّصافه بالصفات الكمالية الحميدة و تنزّهه عن النواقص و المعايب و الإمكانية، بل لو لم يكن في التوحيد له كلام سوى كلام تلميذه و وصيّه أمير المؤمنين (ع) لكان دليلًا باهراً على نبوّته و إليك أنموذجاً منه.
يقول (ع): الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يحصى نعماءه العادّون ... الذي لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود، و لا أجل ممدود ... أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّها غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال: فيم؟ فقد ضمّنه. و من قال: علام؟ فقد أخلى منه. كائن لا عن حدث، موجود لاه عن عدم، مع كلّ شيء لا بمقارنة، و غير كلّ شيء لا بمزايلة. فاعل لا بمعنى الحركات و الآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه ... إلى آخره.
و مثلها غيرها من كلماته الشريفة الحكيمة[٤]. و إنّني أقسم صادقاً أنّ البشر العادي في تلك الأعصار و الأمصار لم يكن قادراً على إنشاء مثل هذه الخطب الجليلة العالية العميقة، فإنّها علمت بعد بلوغ الفلسفة و الكلام نصابهما في الأعصار المتأخّرة، و هذا دليل قويّ على أنّ قائلها كان متّصلًا بالمبدأ الأعلى بلا واسطة، أو بمن هو متّصل به، و الأوّل باطل قطعاً و اتّفاقاً فيتعيّن الثاني، فيثبت المطلوب فإنّ أستاذه و معلّمه هو النبيّ الأعظم (ص) بلى، هذا علي و مقامه العلميّ
[١] - البقرة ٢/ ٢٥٥.
[٢] - الأنعام ٦/ ١٠٢- ١٠٣.
[٣] - الأنعام ٦/ ٥٩.
[٤] - لاحظ نهج البلاغة فإنّه نهج المعرفة و الثقافة و الإنسانية.